
على خلافٍ من أي إبستمولوجيا أخرى، تقوم الإبستمولوجيا القرآنية على أساسٍ من تذكيرِ الإنسان بمحدوديةِ عِلمه، وبأن أحكامَه لن تكونَ بالتالي بمنأى عن أن يطالَ الكثيرَ منها ما يعتورُ كلَّ نظامٍ معرفي محدودِ القدرات من قصورٍ، وما يتبع ذلك من وجوبِ ألا يأمنَ لصوابِ هذه الأحكام. ولقد تعددت الآياتُ الكريمة التي تخاطبُ الإنسانَ بهذا الخطابِ التذكيري الذي تتمحور حوله إبستمولوجيا القرآنِ العظيم. ويكفينا أن نتدبَّرَ بعضاً من هذه الآياتِ الكريمة لكي نتبيَّن كم كان سوادُنا الأعظم على خطأ حين انطلق من تعظيمه للعقلِ البشري فصاغَ مقاربةً معرفيةً لظواهرِ الوجود خيِّل إليه معها أنها تؤهله لسبرِ أغوارِ الوجود بظواهرِه كلِّها جميعاً، ففاته بذلك أن يتبيَّنَ أنَّ في الوجودِ من الوقائع والأحداث والظواهر ما لم يخلق مؤهلاً معرفياً لإدراكِه، وأنَّ حتى الظواهر التي تقع ضمن المدى المعرفي لحواسِه المدرِكة لا سبيلَ أمامه لاستكناهِ باطنِها، الأمر الذي حتَّم على المعرفة البشرية أن تصطبغَ بهذه الصبغةِ المزدوجة التي هي نتاج اختلاط عجزٍ وجودي (أنطولوجي) عن الإحاطةِ بظواهرِ الكونِ كلِّها جميعاً من ناحية، وعجزٌ آخر أوجبه استعصاءٌ مطلق لباطن الظواهر القابلة للإدراكِ المعرفي عن الإفصاحِ عن مكنونِه مهما استعنا على ذلك بما يوفره لنا العِلم من أدواتٍ وأجهزة لا تني تزداد قدرةً على النفوذِ في الظاهرةِ قيدِ الدرس دون أن تتمكن يوماً من الوصولِ إلى باطنِها.
فلنتدبر، على سبيلِ المثال، الآياتِ الكريمةَ التالية:
• (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (27 لقمان).
• (وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ( (من 8 النحل).
• (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ( (من 44 الإسراء).
• (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ. يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) (من 6- 7 الروم).
يتبيّن لنا، وبتدبُّرِ هذه الآياتِ الكريمة، أنَّ المحورَ الرئيس للإبستمولوجيا القرآنية هو بحق تذكيرُ الإنسان بأنَّ عقلَه عاجزٌ عن التعاملِ المعرفي “المثالي” مع الوجود وكلِّ ما فيه من موجودات، وأنَّ كلَّ ما بإمكانِه القيام به هو محاولةٌ مستمرةٌ دؤوبة للاقترابِ من هذا التعامل المعرفي المثالي، مع وجوبِ إيقانِه بأنه لن يتأتى له يوماً تحقيقُ ذلك.
