
لا يكتفي فيلم The Good German للمخرج ستيفن سوديربيرغ باستعادة جماليات “السينما السوداء” لبرلين المحطمة عام 1945، بل أنه، ومن خلال عنوانه المريب، يستدعي إرثاً دموياً من المفاهيم التي صاغت وعي الإمبراطوريات في تعاملها مع “الآخر” الموصوم بالشر المطلق. إن الربط بين عنوان الفيلم والمقولة الشهيرة التي سادت في القرن التاسع عشر أثناء حروب الإبادة ضد السكان الأصليين لأمريكا: “الهندي الصالح هو الهندي الميت” (The only good Indian is a dead Indian)، ينقلنا من تساؤل أخلاقي فردي إلى تحليل لبنية “عقيدة الحرب الاستباقية”.
فالعقلية الإيديولوجية التي أنتجت مقولة “الهندي الميت” بنيت على فرضية استحالة الإصلاح؛ فالهندي في نظر المستعمر ليس عدواً سياسياً بل هو “خطر وجودي” كامن، ووجوده بحد ذاته يمثل تهديداً لا ينتهي إلا بمحوه.
وفي فيلم The Good German، تبدو برلين وكأنها “محمية” مهزومة، حيث يُنظر إلى كل ألماني، مهما أبدى من وداعة، بوصفه نازياً محتملاً أو “هتلرياً” في طور السكون. فالرسالة المبطنة هنا تذهب إلى أبعد من إدانة النازية؛ إذ أنها تشير إلى أن “الجرماني الطيب” في عرف المنتصر ليس هو من ندم أو اعتذر، بل هو ذلك الذي تم تحييد خطره تماماً، إما جسدياً بالقتل، أو سياسياً بالمحو الكامل للهوية والسيادة.
كما ويطرح فيلم The Good German إشكالية أخرى تتعلق بـ “الذنب الوجودي”. فوفقاً لعقيدة الحرب الاستباقية (Pre-emptive War)، لا ينتظر القوي حتى يتحول التهديد المحتمل إلى “خطر واضح وماثل للعيان”، بل يتحرك لسحقه وهو في مكمنه. ففي حالة الهنود الحمر، كان “التهديد” هو مجرد وجودهم على أرض مرغوب فيها. أما في حالة “الجرماني”، يصبح التهديد هو الإيديولوجيا الكامنة في الجينات الثقافية.
وبهذا المعنى، يصبح البحث عن “ألماني صالح” في الفيلم عبثياً، لأن النظام الاستعماري المنتصر قد قرر مسبقاً أن “الصلاح” لا يتحقق إلا بالغياب أو بالتبعية المطلقة التي تشبه الموت السريري للإرادة.
إن ما يقوم به هذا الفيلم، وفق هذا المنظور، هو تعرية النفاق الامبراطوري. فبينما يطارد الحلفاءُ “المجرمين”، نجد أنهم يتبنون ذات المنطق الذي يدينونه، وهو المنطق الذي يرى في الآخر كتلة بشرية يجب أن يتم “تطهيرها” أو “استغلالها” (كما حدث في جلب العلماء النازيين)، دون اعتبار لآدميتهم.
إن “الجرماني الطيب” هو في الحقيقة صدى لـ “الهندي الطيب”؛ فكلاهما ضحايا لآلة حربية لا ترى في الآخر إلا هدفاً يجب تحييده. فالفيلم، بهذا الربط، يتحول من مرثية لبرلين إلى بيان سياسي يحذر من تكرار “مانيفستو المحو” تحت مسميات جديدة مثل “نشر الديمقراطية” أو “الحروب الاستباقية”، حيث يظل الضحية دائماً هو ذلك الذي يُشترط “موته” أو “سحقه” لكي يُمنح صك “الصلاح”.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن فيلم The Good German لا يسألنا “من هو الألماني الصالح؟”، بل يسألنا، وبكل قسوة: “هل تسمح القوة العظمى بوجود ألماني صالح حياً ومستقلاً؟”. إن الإجابة التي تهمس بها أحداث الفيلم المظلمة هي: “كلا”، فالعقلية التي أباد بها المستعمرون الأوروبيون قبائل الشعوب الأصلية في السهول الأمريكية هي ذاتها التي أقتسمت برلين ما يقرب من 45 عاماً، وهي عقلية لا تؤمن بصلاح الجرماني إلا إذا كان جثة هامدة لا تشكل خطراً على مصالح الكبار.
