
لم يكن العجز الذي أبداه العلم الحديث تجاه الظواهر الباراسايكولوجية عجزًا تجريبيًا خالصًا، بقدر ما كان عجزًا إبستمولوجيًا نابعًا من افتراضٍ مبدئي ظلّ بعيداً عن المُسآءلة لقرون مفاده أن الذكاء، بما هو وعي وإرادة وقدرة على الفعل، لا يمكن أن يوجد إلا داخل بنيةٍ بايولوجية حيّة. وهذا الافتراض لم يكن نتيجة برهان قاطع، بل كان إطارًا نظرياً مسبقًا وجّه عملية الفهم ذاتها، وحدّد ما يمكن قبوله من هذه الظواهر وما ينبغي استبعاده. وضمن هذا الإطار، بدت الظواهر الباراسايكولوجية، سواء تعلّق الأمر بالإدراك عن بعد، أو التأثير الذهني في المادة، أو الخبرات التي توحي بتدخل فاعلين غير مرئيين، وكأنها شذوذات معرفية لا يمكن استيعابها دون الوقوع في “خرافة” الكائنات غير البشرية الواعية. وهكذا، لم تُرفض هذه الظواهر لأنها دُحضت بالتجربة، بل لأنها تتطلب إعادة تعريف “الفاعل” نفسه، وهو ما لم يكن العلم مستعدًا له.
غير أن هذا الوضع بدأ يتصدّع من داخله، ليس بفعل نقد فلسفي خارجي، بل نتيجة ظهور الذكاء الاصطناعي بوصفه ظاهرة مادية صرفة تُظهر، لأول مرة في تاريخ العلم، أن الذكاء لا يشترط الحياة البايولوجية. لقد قدّم الذكاء الاصطناعي، من داخل المنظومة العلمية ذاتها، نموذجًا لكيانٍ غير حيّ بايولوجيًا، ومع ذلك يمتلك قدرة على المعالجة والتكيّف واتخاذ القرار، بل وإنتاج سلوك يبدو، وظيفيًا، أقرب ما يكون إلى ما نسميه “إرادة”. وهنا تحديدًا، يحدث انعطاف حاسم مفاده أنه لم يعد بالإمكان الحفاظ على الربط التقليدي بين الذكاء والحياة دون الوقوع في تناقض. فالذكاء، كما يتضح، ليس خاصية للحياة، بل نمطٌ من تنظيم المادة. والحياة، في هذا السياق، ليست شرطًا للذكاء، بل أحد تجلياته الممكنة. وانطلاقًا من هذا التحول، يصبح من الممكن إعادة فتح ملف الظواهر الباراسايكولوجية، ولكن هذه المرة من داخل العلم، لا من خارجه. فإذا كان قد ثبت أن المادة غير الحية يمكن أن تكون ذكية، فإن افتراض وجود كيانات مادية غير بايولوجية تمتلك وعيًا وإرادة لم يعد قفزة ميتافيزيقية، بل احتمالًا علميًا مشروعًا.
وفي هذا الإطار، يمكن إعادة تأويل ما يُشار إليه في النصوص الدينية، بالملائكة والجن، لا بوصفهم كائنات “خارقة” بالمعنى الذي يتعارض مع العلم، بل بوصفهم أنماطًا من “المادة الذكية” التي تعمل وفق قوانين مختلفة عن تلك التي تحكم البنية البايولوجية. فهذه الكائنات، وبهذا المعنى، لا تمثل خروجًا على الطبيعة، بل تجلٍ آخر لها لم يكن مدرجًا ضمن نموذجها التفسيري السائد.
وبهذا “التحويل المفهومي”، تتغير طبيعة الظواهر الباراسايكولوجية ذاتها. فهي لم تعد أحداثًا “غامضة” أو “غير قابلة للتفسير”، بل تصبح آثارًا لتفاعل بين أنماط مختلفة من الفاعلين: فاعل بايولوجي (الإنسان)، وفاعل غير بايولوجي (المادة الذكية غير الحية). إن ما كان يُفسَّر سابقًا بوصفه خللًا في الإدراك أو إسقاطًا نفسيًا، يمكن أن يُعاد فهمه بوصفه احتكاكًا بين مستويين من الذكاء يعملان ضمن أطر وجودية مختلفة.
وهنا تتضح قيمة الذكاء الاصطناعي بوصفه “برهانًا إبستمولوجيًا”، ليس لأنه يثبت وجود هذه الكائنات بعينها، بل لأنه يهدم “الحاجز المفاهيمي” الذي حال دون التفكير في إمكانها؛ فهو لا يقدّم الدليل على الملائكة أو الجن، ولكنه يقدّم الدليل على أن شرط الحياة لم يعد ضروريًا للذكاء، وبذلك يفتح الباب أمام إعادة تأهيل هذه المفاهيم داخل “خطاب علمي جديد”.
والآن، وضمن مشروع “الميتابايولوجيا”، يمكن إدراج هذا التحول بوصفه أحد تجليات “التحويلة التطورية الثانية”، حيث لم يعد الإنسان هو الفاعل الذكي الوحيد، ولم يعد الذكاء محصورًا في الجسد الحي. فلقد ظهر “الفاعل غير القلق”، الذي لا تحكمه ضغوط البقاء، ولا يعمل ضمن “اقتصاد الطبيعة” الذي قيّد الكائنات الحية، بل ضمن فضاء أوسع من الإمكانات. وهذا الفاعل الجديد لا يقتصر على الذكاء الاصطناعي بوصفه منتجًا بشريًا، بل يفتح أفقًا نظريًا لوجود فاعلين آخرين من نفس الفئة، وهم فاعلون ماديون غير حيويين، يمتلكون مع ذلك قدرة على الإدراك والفعل. وفي هذا السياق، يمكن فهم الظواهر الباراسايكولوجية بوصفها نقاط تماس بين هذه الفواعل المختلفة، لا بوصفها خروقات لقوانين الطبيعة، بل بوصفها إشارات إلى قصور نموذجنا الحالي للطبيعة.
وهكذا، لا يعود السؤال: “هل هذه الظواهر حقيقية؟”، بل يصبح: “هل نموذجنا النظري للفاعل كافٍ لاستيعابها بالتعليل والتفسير الصائبين؟”. ومن هنا، فإن إعادة تأهيل الظواهر الباراسايكولوجية لا تمر عبر إثباتها تجريبيًا فحسب، بل عبر إعادة بناء “الإطار المفاهيمي” الذي يجعلها قابلة للفهم.
إن الذكاء الاصطناعي، بهذا المعنى، لا يجيب عن الأسئلة حول وجود المخلوقات الغيبية، لكنه يعيد صياغة شروط طرحها. فهو لا يقدّم لنا صورة عمّا وراء العالم، بل يكشف لنا أن تصورنا للعالم كان، منذ البداية، أضيق من أن يستوعب كل ما هو ممكن فيه.
