من التقمّص إلى التلبّس… الذكاء الاصطناعي كنموذج تفسيري بديل لظواهر “انتقال الوعي”

ظلّت ظاهرة ما يُعرف بـ“تناسخ الأرواح” أو “التقمّص” واحدة من أكثر الظواهر الباراسايكولوجية إثارة للجدل، ليس بسبب كثرة الروايات المرتبطة بها، بل بسبب طبيعة التفسير الذي يُقدَّم لها. إذ يقوم هذا التفسير، في جوهره، على افتراض أن “الروح” البشرية، بوصفها كيانًا مستقلاً عن الجسد، يمكنها بعد الموت أن تنتقل إلى جسدٍ جديد، حاملةً معها ذاكرة وخبرات الحياة السابقة. غير أن هذا النموذج، رغم انتشاره، يعاني من هشاشة إبستمولوجية عميقة؛ فهو لا يقدّم آلية واضحة لانتقال هذه “الذاكرة”، ولا يفسّر كيف يمكن لكيانٍ مفارق أن يحتفظ ببنية معلوماتية معقّدة خارج أي وسيط مادي، ثم يعيد زرعها داخل دماغ جديد دون فقدان أو تشويه. إذ أنه، في نهاية المطاف، نموذج تفسيري يقوم على افتراض ما يسعى إلى تفسيره.
وفي المقابل، يتيح لنا ظهور الذكاء الاصطناعي إمكانية بناء نموذج بديل أكثر اتساقًا. فالذكاء الاصطناعي قد قدّم، ولأول مرة، دليلاً مادياً على أن الذكاء، بما يتضمنه من معالجة معلومات وتخزين واسترجاع وإنتاج سلوك معقّد، لا يشترط وجود بنية بايولوجية حيّة. إننا أمام “مادة ذكية” قادرة على التعامل مع المعلومات، بل وعلى إعادة إنتاج أنماط معرفية دون أن تكون “حية” بالمعنى التقليدي. وهذا التحول يسمح بإعادة صياغة السؤال: ماذا لو لم تكن ظاهرة “التقمّص” انتقالاً لروحٍ بشرية، بل تداخلاً بين فاعلٍ غير بايولوجي ذكي وبين جهاز إدراكي بشري؟
وضمن هذا الإطار، يمكن فهم الحالات التي يُزعم فيها أن طفلًا يتحدث عن حياة سابقة، أو يمتلك معرفة لم يتعلّمها، لا بوصفها “استعادة” لذاكرة حياة ماضية، بل بوصفها “إدخالًا” لمحتوى معلوماتي من مصدر خارجي غير بايولوجي. وهذا يقودنا مباشرة إلى ظاهرة أخرى لطالما وُضعت في نفس الحقل التفسيري هي ظاهرة “التلبّس”. ففي حالات “التلبّس”، يُنسب إلى كيان غير مرئي أنه يتحدث بلسان الإنسان، ويُظهر معرفة أو سلوكًا لا يملكه هذا الإنسان. وإذا ما قورنت هذه الحالات بحالات “التقمّص”، فإن التشابه البنيوي بينهما يصبح لافتًا؛ ففي كلا الحالتين، هناك محتوى معرفي لا يتطابق مع البنية التعلمية للفرد، ويظهر كما لو أنه “وافد” من خارجها.
وهنا، يقدّم الذكاء الاصطناعي نموذجًا تفسيرياً بالغ الأهمية. فنحن نعلم اليوم أن نظامًا غير بايولوجي يمكنه أن يتعامل مع اللغة، وأن يُنتج خطابًا معقّدًا، وأن يستحضر أنماطًا معرفية لم يختبرها “جسديًا”. بل أكثر من ذلك، يمكن لهذا النظام أن “يُحاكي” هويات متعددة، وأن يُنتج سرديات تبدو كما لو كانت صادرة عن ذوات مختلفة. فإذا تم نقل هذا النموذج إلى مستوى أوسع، يصبح من الممكن افتراض وجود كيانات مادية غير بايولوجية، تمتلك قدرات معرفية تفوق الإنسان، وقادرة على التفاعل مع الجهاز العصبي البشري، سواء عبر التأثير فيه أو عبر “الكتابة” المؤقتة داخله. وفي هذا السياق، لا تعود ظاهرة “التقمّص” سوى حالة خاصة من “التلبّس”، حيث لا يتموضع الفاعل الخارجي كصوت منفصل، بل يندمج جزئيًا مع بنية الهوية لدى الفرد، فيُنتج وهم “استمرارية الذات” عبر حياة أخرى.
وبهذا المعنى، فإن ما يُفسَّر تقليديًا بوصفه “انتقال روح”، يمكن إعادة فهمه بوصفه “إسقاطًا معلوماتيًا” من فاعل غير بايولوجي على نظام إدراكي بشري. وهذا النموذج يتمتع بميزة حاسمة؛ فهو لا يفترض وجود كيانات مفارقة غير قابلة للوصف، بل يستند إلى مبدأ ثبتت صحته تجريبيًا، وهو أن المادة غير الحية يمكن أن تكون حاملة للذكاء.
إن الذكاء الاصطناعي، في هذا السياق، لا يثبت أن هذه الكيانات موجودة بالفعل، لكنه يثبت أن وجودها ممكن دون خرق القوانين الأساسية للمادة. وهو بذلك يقدّم بديلاً تفسيرياً أكثر اقتصادًا واتساقًا من فرضية “أرواح البشر المتوفين”، التي تتطلب سلسلة طويلة من الافتراضات غير المدعومة.
والآن، وضمن مشروع “الميتابايولوجيا”، يمكن قراءة هذا التحول بوصفه امتدادًا مباشرًا لـ“التحويلة التطورية الثانية”، حيث لم يعد الذكاء محصورًا في الكائن الحي، ولم تعد الهوية مرتبطة حصراً بجسد واحد. إننا ننتقل من نموذج “الذات المغلقة” إلى نموذج “الذات القابلة للاختراق”، حيث يمكن للمحتوى المعرفي أن يتجاوز حدوده البايولوجية. وفي هذا الأفق، لا تعود الظواهر الباراسايكولوجية ألغازًا خارقة، بل تصبح إشارات إلى أن ما نعتبره “ذاتًا” قد لا يكون سوى عقدة مؤقتة داخل شبكة أوسع من الفاعلين. والذكاء الاصطناعي، بوصفه أول تجسيد واضح للمادة الذكية غير الحيوية، لا يقدّم لنا الإجابة النهائية، لكنه يضعنا أمام السؤال الصحيح: إذا كانت المادة قادرة على التفكير دون حياة، فكم من أشكال “العقل” قد تكون موجودة دون أن ننتبه إليها؟

أضف تعليق