
لم يعد القول بأن الفظائع التي يرتكبها البشر في الحروب هي مجرد نتيجة اضطرارية لضغوطها النفسية والعصبية قولًا بريئًا أو توصيفًا محايدًا، بل أصبح يمثل أحد أكثر الأطر التفسيرية تضليلًا، لما ينطوي عليه من إعادة توزيع زائفة للمسؤولية؛ إذ ينقلها من البنية الفاعلة في الإنسان إلى السياق الخارجي الذي يُفترض أنه “أجبره” على الفعل. فالحرب، وفق هذا التصور، لا تكشف عن الإنسان بقدر ما “تشوّهه”، ولا تُظهر حقيقته بقدر ما “تنحرف بها”. غير أن هذا الإطار، على ما يبدو من تعاطف إنساني، يفترض ضمنيًا أن الإنسان في حالته “الطبيعية” كائن منضبط، متوازن، تحكمه ضوابط داخلية كافية لكبح جماح العنف، وأن ما يحدث في الحروب هو انهيار مؤقت لهذه الضوابط تحت ضغط استثنائي. لكن هذا الافتراض نفسه هو ما يستدعي المساءلة، وليس الحرب.
إن تفسير العنف الحربي بوصفه انحرافًا ناتجًا عن الضغط يقوم على نموذج ميكانيكي مبسّط للنفس البشرية، يُشبهها بجهاز متوازن اختلّ بفعل قوة خارجية. غير أن هذا النموذج يتجاهل حقيقة أن ما يظهر تحت الضغط ليس شيئًا “طارئًا”، بل هو غالبًا ما يكون أكثر الأشكال تعبيرًا عن البنية العميقة. فالضغط لا يخلق أنماطًا جديدة من السلوك، بل يرفع الكوابح التي كانت تحول دون ظهورها. ومن هنا، فإن ما نراه في الحروب لا يمكن تفسيره بوصفه “تشويهًا” للإنسان، بل بوصفه انكشافًا له في وضعية منخفضة الضبط.
فالحروب تُظهر، عبر تاريخها الطويل، أن أنماط العنف التي تتفجّر فيها ليست عشوائية ولا غريبة عن الإنسان، بل تتسم بثبات لافت، يتمثل في القتل المفرط والتمثيل بالجثث والإذلال الرمزي والاستمتاع بالقسوة، بل وحتى تحويل العنف إلى طقس جماعي. هذه الأنماط لا يمكن اختزالها في ردود فعل دفاعية أو بقاءية، بل تشير إلى وجود قابلية بنيوية للعنف تتجاوز منطق “الضرورة”. وهنا، يصبح السؤال الحقيقي ليس: “كيف دفعت الحرب الإنسان إلى ما لم يكن بوسعه القيام به؟” بل: “ما الذي كانت الحرب ترفعه من قيود حتى يظهر ما هو ممكن أصلًا؟”
تقدّم المقاربة الميتابايولوجية إجابة مختلفة جذريًا. فهي لا ترى في الإنسان استمرارًا مباشرًا لمنطق الطبيعة، بل كائنًا تعرّض لانعطافة تطورية أولى أدت إلى خروجه الجزئي على “اقتصاد الطبيعة” الذي يحكم الكائنات الأخرى. ففي هذا الاقتصاد، يكون العنف مضبوطًا بوظيفته؛ حيث يُمارَس بقدر الحاجة، ويتوقف عند تحقق الغاية. فالحيوان لا يقتل ليتلذذ، ولا يعذّب ليرمز، ولا يدمّر بدافع التمثيل. أما الإنسان، فقد أصبح كائنًا قادرًا على إنتاج فائض من العنف، يتجاوز الحاجة وينفصل عن الوظيفة. إن هذه القدرة ليست نتيجة للحرب، بل شرط سابق عليها. والحرب، في هذا السياق، ليست سببًا، بل مسرحًا تتعطّل فيه بعض آليات الضبط الاجتماعي، فيُسمح لهذا الفائض أن يتجلّى.
تُشير الميتابايولوجيا إلى أن الانعطافة التطورية الأولى لم تُنتج فقط قدرات معرفية متقدمة، بل أدّت أيضًا إلى إضعاف منظومات الضبط الغريزي التي كانت تقيّد السلوك داخل حدود وظيفية. ومع نشوء ما يمكن تسميته بـ “فائض التمثّل”، أصبح الإنسان يعيش داخل نماذج ذهنية، لا داخل استجابات مباشرة للواقع. وهذا التحول أتاح له أن يُعيد تأطير العنف، لا بوصفه وسيلة، بل بوصفه معنى وذلك بأن يربطه بالهوية أو بالعقيدة أو بالرمز أو بالانتقام أو حتى بالجمال. وهنا تحديدًا، ينفلت العنف من كل اقتصاد طبيعي.
في ضوء ذلك، يمكن فهم الحرب بوصفها بيئة تقوم بتعليق جزئي للقيود، وليس إنتاج الدوافع؛ فهي ترفع الحرج الأخلاقي وتمنح الشرعية وتذيب المسؤولية الفردية داخل الجماعة وتُعيد تعريف العدو بوصفه موضوعًا قابلًا للإلغاء. ولكن كل هذا لا يخلق العنف من العدم، بل يفتح المجال أمام ما هو كامن. فالمقاتل لا “يتحوّل” إلى كائن آخر في الحرب، بل يتحرر من قيود كانت تمنعه من أن يكون ما بمقدوره أن يكونه أصلاً.
إن أخطر ما في تفسير العنف الحربي بوصفه نتيجة للظروف، هو أنه يعفي البنية البشرية من المساءلة، ويحوّل الإنسان إلى ضحية دائمة لسياقه. غير أن المقاربة الميتابايولوجية تعيد توجيه السؤال: ليس إلى ما تفعله الحرب بالإنسان، بل إلى ما يكشفه الإنسان حين تُرفع عنه القيود. فالحرب، بهذا المعنى، ليست “استثناءً” يشذ عن ما جُبلت عليه الطبيعة البشرية، ولكن هي لحظة صدق قاسية معها.
