
لطالما قُدمت التجربة السياسية البريطانية كنموذج للتطور السلمي والتدرج الديمقراطي، إلا أن وضع هذه التجربة تحت المجهر التاريخي العلمي يكشف عن حقيقة مغايرة تماماً. فخلف واجهات “ويستمينستر” البراقة، تكمن جذور غارقة في دماء عشرات الآلاف من المواطنين، في صراع لم يكن من أجل الحرية بمعناها الإنساني بقدر ما كان صراعاً متوحشاً على “حيازة السلطة”. فإن الإصرار غير المفهوم على تهميش الفظائع التي ارتكبت خلال الحرب الأهلية البريطانية (1642-1651) يخدم غرضاً واحداً هو الحفاظ على قدسية “الأساس الهش” الذي قامت عليه الديمقراطية الإنجليزية. فعندما انقسم المجتمع إلى “ملكيين” و”برلمانيين”، لم تكن المبادئ هي المحرك الوحيد، بل كان التوحش المنظم هو الأداة لحسم الصراع. فلقد شُيدت الديمقراطية البريطانية على جثث ما يقرب من 200,000 إنسان؛ وهو رقم بالنسبة إلى عدد السكان آنذاك، جعل تلك الخسائر البشرية تفوق خسائر بريطانيا في الحرب العالمية الأولى. وقد كشفت الحرب أن “الشرعية” ليست قيمة أخلاقية ثابتة، بل هي عباءة يرتديها القوي لإضفاء طابع قانوني على انتصاراته العسكرية.
وثمة مغالطة تاريخية تفصل بين سلوك الجيش البريطاني في الداخل وبين فظائعه في الحملات الاستعمارية وراء البحار. ففي الواقع، كانت الحرب الأهلية البريطانية هي “المختبر” الأول الذي جُربت فيه تقنيات وأساليب اعتمدها الجيش البريطاني لاحقاً في حملاته الاستعمارية وراء البحار، وذلك كما يلي:
- نموذج كرومويل: فما فعله “جيش النموذج الجديد” برئاسة أوليفر كرومويل في أيرلندا (مذبحة دروغيدا مثالاً) يمثل الذروة في استباحة دماء “الآخر” بذريعة إرساء النظام.
- استمرارية العنف: فالفظاعات التي اقترفها الاستعمار البريطاني لاحقاً في الهند وإفريقيا لم تكن سلوكاً طارئاً، بل كانت امتداداً لنفس العقلية التي سحقت المعارضين في الداخل الجغرافي للجزر البريطانية.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن هذا الصراع الدامي يكشف جانباً مظلماً من حقيقتنا البشرية وهشاشتنا الإنسانية. فبينما تمارس الكائنات الأخرى عدواناً “فطرياً” ومنضبطاً من أجل البقاء، اختار الإنسان “العدوان المنظم” والمتفلت من أي ضابط طبيعي. فـ “السلطة في التجربة البريطانية لم تكن يوماً غاية أخلاقية، بل كانت الغنيمة التي تبرر كل عمل متوحش. لقد تم استثمار الانتصارات العسكرية لتحويل القوة الغاشمة إلى سيطرة مؤسساتية، مما جعل من الديمقراطية الناتجة مجرد عقد لمنتصرين يتقاسمون المكاسب فوق ركام من أشلاء الأبرياء.”
