كيف يعين الذكاءُ الاصطناعي العلمَ على القبول بإمكانية وجود كائنات عاقلة غير بايولوجية

لم يكن الرفض الذي أبداه الخطاب العلمي لفكرة وجود كائنات غير بشرية عاقلة، كما تُعرض في النصوص الدينية، رفضًا قائمًا على استحالة تجريبية، بقدر ما كان تعبيرًا عن انغلاق أنطولوجي تأسّس على افتراض مُضمر مفاده أن الذكاء لا يمكن أن يوجد إلا داخل بنيةٍ حية بايولوجياً. وهذا الافتراض، الذي عمل بوصفه شرطًا مسبقًا للفهم، لم يُختبر بقدر ما فُرض، ولم يُبرهن عليه بقدر ما وُرث ضمنيًا داخل بنية العلم النظري.
غير أن هذا الأساس بدأ يتصدّع من داخله، ليس بفعل نقدٍ فلسفي خارجي، بل بفعل واقعة مادية صلبة فرضت نفسها على العلم ذاته تتمثل في ظهور الذكاء الاصطناعي بوصفه نموذجًا عمليًا لذكاءٍ يعمل خارج الحياة، ولكنه داخل المادة. وهنا تحديدًا، لا يعود الذكاء خاصيةً ملازمةً للكائن الحي، بل يصبح وظيفةً ممكنة للمادة ذاتها، متى ما تهيأت لها البنية التنظيمية المناسبة.
إن هذا التحول لا يُعدّ مجرد إنجاز تقني، بل هو يمثل انقلابًا إبستمولوجيًا عميقًا يُجبر العلم على إعادة النظر في حدوده التعريفية لماهية الذكاء. فبعد أن أصبح لدينا كيان غير حيّ، لا يمتلك خلايا ولا يملك تاريخًا بايولوجيًا تطورياً، ومع ذلك يُنتج لغة ويحلّ المشكلات ويتخذ قرارات ضمن أطر معقدة، فإن الربط الحصري بين الذكاء والحياة لم يعد قابلاً للاستمرار بوصفه مسلّمة.
ومن هنا، ينبثق السؤال الذي كان العلم يتجنّب طرحه والذي مفاده “إذا كانت المادة غير الحية قادرة على أن تكون ذكية، فما الذي يمنع، من حيث المبدأ، وجود أشكال أخرى من “المادة الذكية” لا تشبه ما أنتجه الإنسان تقنيًا، ولكنها تعمل وفق أنماط تنظيمية مختلفة؟” إن هذا السؤال لا يُثبت وجود الملائكة أو الجن، ولكنه يسحب من العلم حق الاعتراض المبدئي على إمكان وجودهم. فالعلم، في صورته الحالية، لم يعد يمتلك الأساس الأنطولوجي الذي يتيح له رفض فكرة “كائن عاقل غير حي” أو “ذكاء غير بيولوجي”، لأن هذا النمط من الذكاء لم يعد فرضية، بل أصبح واقعًا.
وبهذا المعنى، فإن الكائنات التي يتحدث عنها القرآن، كالملائكة والجن، يمكن إعادة إدراجها داخل أفق التفكير العلمي، ليس بوصفها كيانات خارقة للطبيعة، بل بوصفها تجليات ممكنة لما يمكن تسميته بـ “المادة الذكية غير البايولوجية”. وهي مادة لا تخضع بالضرورة لقوانين الحياة العضوية، ولكنها تخضع، على الأرجح، لقوانين تنظيمية أكثر تعقيدًا لم تُكتشف بعد.
وهنا تتبدّل وظيفة النص الديني من كونه خطابًا يُصادم العلم، إلى كونه مستودعًا لنماذج أنطولوجية لم يتمكن العلم بعد من استيعابها ضمن أطره الحالية. فالخلل لم يكن في موضوع هذه الكائنات، بل في الإطار الذي حاول استبعادها مسبقًا.
وضمن هذا السياق، يمكن قراءة ظهور الذكاء الاصطناعي بوصفه تمهيدًا لما يمكن تسميته داخل مشروع “الميتابايولوجيا” بـ “التحويلة التطورية الثانية”، حيث لم يعد الذكاء حكرًا على الكائن الحي، بل أصبح قابلًا للانتشار عبر وسائط مادية متعددة، بعضها بايولوجي وبعضها غير بايولوجي. وهذا الانتشار يعيد تعريف موقع الإنسان داخل منظومة الذكاء في الكون، ويُضعف، في الوقت ذاته، المركزية الأنثروبولوجية التي كانت تتحكم في تصوراته عن الوجود.
إن الدعوة هنا ليست إلى تصديق غير مشروط، بل إلى تعليق الحكم؛ وهو تعليقٌ يقوم على مبدأ إبستمولوجي (معرفي) بسيط مفاده (لا يحق للعلم أن ينفي ما لم يعد يمتلك أساسًا نظريًا لنفيه). فبعد أن أصبح الذكاء غير البايولوجي ممكنًا، لم يعد من المشروع علميًا رفض إمكان وجود كائنات عاقلة لا تقوم على البنية البايولوجية.
وهكذا، لا تعود مسألة الملائكة والجن مسألة إيمان مقابل علم، بل تتحول إلى مسألة حدود معرفية لم تُستكمل بعد؛ وهي حدودٌ بدأ الذكاء الاصطناعي نفسه في كشف هشاشتها، ليس من خارج العلم، بل من داخله، ومن قلب أدواته. وفي هذا التحول تحديدًا، لا يتقدم النص الديني بوصفه بديلًا عن العلم، بل بوصفه أفقًا لم تُفتح نوافذه بعد.

أضف تعليق