وجه الاستعلاء الأخير… آلان فينكيلكراوت وسدنة “معبد النقاء العنصري” المتهاوي

في أروقة الأكاديمية الفرنسية، حيث يتردد صدى قرون من الأدب الكلاسيكي، يقف آلان فينكيلكراوت كحارس أخير لمعبد يرفض أن يفتح أبوابه للمستقبل. فالمشروع الفكري لهذا الأديب الفرنسي- البولوني، والذي يتوارى خلف عباءة الحفاظ على “لغة راسين وفولتير”، ليس في جوهره إلا محاولة يائسة لتحويل اللغة من كائن حي يتنفس ويتطور، إلى “مومياء لغوية” محنطة، تُستخدم كأداة إقصاء سياسي واجتماعي ضد كل ما هو “وافد”.
ففينكيلكراوت يرى أن الهوية الفرنسية هي قلعة محاصرة، وأن أي اشتقاق لغوي جديد أو نحت لكلمات تعبر عن “واقع الضواحي” أو “تأثيرات الهجرة”، هو بمثابة تدنيس لهذا الإرث “المقدّس” بزعمه. فوفقاً لما يرى فينكيلكراوت، أن تكون فرنسياً يعني أن تُحجر لسانك في قوالب القرن السابع عشر؛ وهي دعوة ظاهرها الجمال، وباطنها عنصرية ثقافية عميقة. فهو لا يدافع عن اللغة لذاتها، بل يتخذ منها “وثناً بديلًا” عن الإله الذي نُبذ في عصر العقل، ليقيم مقامَه صنماً من القواعد النحوية الجامدة، يمارس من خلاله طقوس “التطهر” من الآخر “المدنس” بلسانه الهجين.
وهذا الانكفاء على الماضي ليس علامة قوة، بل هو استعاضة غير موفقة عن عجز المثقف عن استيعاب التحولات الكبرى. إن فينكيلكراوت يمثل تيار “العنصرية المثقفة” الذي يرى في التعددية تهديداً، وفي التطور انحطاطاً؛ إذ أنه يخشى أن “تتلوث” فرنساه بالجيل الثالث من المهاجرين، فيقيم بينه وبينهم جداراً من البلاغة الكلاسيكية المتعالية، معتبراً أن من لا يتقن لغة الصالونات الأرستقراطية القديمة لا يستحق شرف الانتماء إلى “الجمهورية الخامسة”.
لكن التاريخ يُخبرنا أن هذه الأصوات، مهما بلغت درجة رصانتها اللغوية أو حدة نبرتها التحذيرية، هي أصوات في طريقها إلى الأفول. إن صوت فينكيلكراوت ليس إلا صدىً أخيراً لنسق فكري يلفظ أنفاسه، تماماً كما انقرضت من قبله أصوات “الاستعلاء الثقافي” التي حاولت حبس الهوية في زجاجة الماضي. ولعل من أبرز الأمثلة التي تحضرنا هنا هو ميلان كونديرا، الذي رغم عبقريته الروائية، ظل مسكوناً بنوع من “المركزية الأوروبية” الضيقة والحنين إلى عالم نخبوي قديم، يرى في الثقافات الأخرى مجرد “ضجيج” يهدد صفاء الموسيقى الغربية.
إن انقراض هذه الأصوات هو حتمية تاريخية؛ فاللغات التي لا تتطور تموت، والهويات التي لا تنفتح على الآخر تتكلس وتتحطم. ومع رحيل هؤلاء السدنة، سينتهي ذلك الربط القسري بين “النقاء اللغوي” وبين “العنصرية المقيتة”، لتتحرر اللغة الفرنسية، وغيرها، من قيد التحنيط، وتعود لتكون ملكاً لكل من ينطق بها ويضيف إليها من روحه وتجربته، بعيداً عن أوهام “الأصل” و”الدنس” التي يقتات عليها فكر فينكيلكراوت المتهاوي.

أضف تعليق