اختلال التمثّل اللغوي بعد التحويلة التطورية الأولى

لا يمكن فهم الصراع الدائر حول اللغة، ولا سيما في السياق اللغوي الفرنسي المعاصر، بوصفه مجرد خلاف ذوقي أو ثقافي بين نزعتين هما النزعة المحافظة والنزعة التحديثية، بل هو، في عمقه، تجلٍّ مباشر لاختلال أعمق أصاب البنية الإدراكية للإنسان منذ ما يمكن تسميته، في الإطار الميتابايولوجي، بـ”التحويلة التطورية الأولى”. فبعد هذه التحويلة، لم يعد الإنسان يتعامل مع الواقع بوصفه معطى مباشرًا، بل بوصفه تمثّلًا يُعاد إنتاجه داخل الذهن، ثم يجري إسقاطه على الخارج باعتباره حقيقة موضوعية. وهنا تحديدًا، تتحول اللغة من أداة للتواصل إلى موضوع للتماهي والهوية، ومن نظام مفتوح إلى كيان متخيَّل يُراد تثبيته. فأحد أبرز مظاهر اختلال الإدراك بعد التحويلة الأولى هو ما يمكن تسميته بـفائض التمثّل، حيث تتضخم النماذج الذهنية إلى درجة تنفصل فيها عن الواقع الذي نشأت منه.
وفي هذا السياق، لم تعد اللغة تُدرك بوصفها نظامًا تداوليًا يتشكل عبر الاستعمال، بل كيانًا ميتافيزيقيًا يمتلك “جوهرًا” ينبغي حمايته. وهنا يظهر نموذج الأديب الفرنسي-البولوني المخضرم آلان فينكيلكراوت بوصفه تمثلًا لهذا النمط الإدراك؛ فالدفاع عن “نقاء” اللغة الفرنسية الكلاسيكية، كما صاغها كورناي وراسين وفولتير، لا ينطلق فقط من حرص ثقافي، بل من افتراض ضمني مفاده أن لهذه اللغة ماهية ثابتة، وأن أي انحراف عنها هو انحراف عن الحقيقة ذاتها. غير أن هذا الافتراض لا يستند إلى واقع لغوي، بل إلى تمثّل متضخم للغة بوصفها كيانًا مكتملًا ونهائيًا.
ووفقًا لما يمكن تسميته بـقانون اقتصاد التمثّل، فإن الأنظمة المعرفية تميل إلى تقليل التعقيد عبر نماذج مختصرة وفعالة. غير أن ما يحدث في الحالة التي نحن بصددها هو العكس تمامًا؛ حيث يتم تضخيم نموذج لغوي واحد (الفرنسية الكلاسيكية) وتحويله إلى معيار مطلق بالرغم من أن الواقع اللغوي هو أكثر تنوعًا وتعقيدًا. وهذا يمثل انهيارًا في اقتصاد التمثّل، حيث يُستبدل النموذج الفعّال بنموذج مثالي متخيَّل، يفرض نفسه على الواقع بدل أن يصفه.
وفي المقابل، تمثل ليلى سلماني نمطًا إدراكيًا مختلفًا؛ حيث تُفهم اللغة بوصفها نظامًا ديناميكيًا يتجدد عبر الاستخدام، ويتغذى من التحولات الاجتماعية والهجرة والاحتكاك الثقافي. ولكن الأهم في هذا التصور أنه لا يلغي الماضي، بل يستوعبه ضمن ما يمكن تسميته بـ التعايش الخفي؛ فاللغة الكلاسيكية لا تختفي، بل تستمر كطبقة كامنة داخل اللغة الحديثة، تمامًا كما تستمر أنماط التفكير القديمة داخل الوعي المعاصر.
إن أخطر ما في الخطاب الذي يدّعي حماية “نقاء” اللغة، ليس مضمونه اللغوي، بل بنيته الإدراكية. فهو يعيد إنتاج نفس الآلية التي تقوم عليها العنصرية، حتى وإن اختلف موضوعها؛ كافتراض وجود “جوهر نقي” والخوف من التلوث أو الاختلاط ومنح الشرعية للإقصاء باسم الحماية. وهكذا، لا تكون المشكلة في الدفاع عن اللغة، بل في تحويلها إلى عِرق رمزي.
ومن منظور ميتابايولوجي، يمكن القول إن اللغة ليست كيانًا ينبغي حمايته، بل نظامًا تكيفيًا يعكس خروج الإنسان على اقتصاد الطبيعة. فالحيوان يتواصل ضمن نظام محدود ومستقر، أما الإنسان فهو ينتج لغة “فائضة” و “متغيرة” و “قابلة لإعادة التشكيل”. وهذا الفائض ليس خللًا طارئًا، بل نتيجة مباشرة للتحويلة التطورية الأولى التي جعلت الإنسان يعيش داخل تمثّلاته أكثر مما يعيش داخل واقعه.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن الحقيقة لا تكمن في أحد الطرفين بوصفه بديلًا عن الآخر، بل في التوتر القائم بينهما. فالذاكرة اللغوية ضرورية لمنع الانهيار والتجدد ضروري لمنع الموت. لكن حين تتحول الذاكرة إلى صنم، والتجدد إلى تهديد، فإننا نكون أمام اختلال تمثّلي وليس أمام موقف لغوي. وبهذا المعنى، لا تكون المسألة: هل نختار فينكيلكراوت أم سلماني؟ بل: هل نعيد اللغة إلى وظيفتها كأداة، أم نُبقيها أسيرة تمثّلاتنا عنها؟

أضف تعليق