
منذ أن وجد الإنسانُ نفسَه وحيداً أمام اتساع الكون، تولد لديه هوس لا يحده زمان أو مكان ولا يقيده عرق؛ وهذا الهوس هو محاولة “استكناه الغيب”. ويستوي في ذلك إنسان يسابق الزمن حتى يصل الى مكان عمله، أو آخر يجالسُ قارئةَ الفنجان على قارعة الطريق؛ فالدوافعُ واحدة، والرهبةُ من المجهول هي المحرك المشترك.
فالاندفاعُ البشري نحو قراء الكف ومفسِّري الرؤى وضاربي الودَع، ليس مجرد سذاجة عابرة أو جهل معرفي، بل هو طقس متجذر في النفس البشرية يشبه في إلحاحه الهوس بالتدين بأي معتقد رياضياً كان أو فنياً. فكما يبحث الإنسان عما يتوهم أنه “مقدس” يمنحه المعنى، تراه يبحث أيضاً عن “نبوءة” تمنحه الأمان. لقد تحول البحث عن الثروة والزواج والمنصب الاجتماعي من مجرد أهداف دنيوية إلى طقوس استغاثة، نطلب فيها من “الغيب” أن يطمئننا بأن “كل شيء سيكون على ما يرام”.
ولكن لماذا يطارد الإنسان المستقبل ولو في فنجان قهوة؟ تكمن الإجابة في هشاشتنا الإنسانية. فنحن كائنات تدرك محدوديتها، وهذا الإدراك يولد رعباً وجودياً لا يهدأ. فحين يجلس المرء أمام قارئة الفنجان، فإنه لا يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن “الرفقة” في مواجهة المجهول. فنحن نلتمس الإحساس بالأمان من أي مصدر يشعرنا بأننا لسنا وحدنا. إن الإنسان الذي قرر يوماً أن يخرج على قوانين الطبيعة ويتكل على قراراته الفردية، وجد نفسه فجأة في عراء وجودي، بلا غطاء يحميه من تقلبات القدر.
ومن المثير للدهشة أن هذا الضعف والوهن لم يتوقف عند حدود الخرافة التقليدية، بل تسلل إلى العلم والخيال العلمي. حتى سؤالنا المعاصر عن الحياة في كواكب أخرى لم يعد سؤالاً علمياً بحتاً، بل أصبح يحمل دلالات تشي بمقدار ما أصابنا من خور. فنحن لا نبحث عن كائنات فضائية لنفهم الكون، بل نبحث عن “آخر” يشاركنا هذه العزلة، أو ربما “منقذ” يملك مفاتيح الأمان الذي فقدناه.
لقد اختار الإنسان أن يستقل برأيه، وأن يكون سيد مصيره، لكنه لم يكلف نفسه عناء البحث عما يكفل له حياة وادعة وآمنة من الداخل. هذا الانفصام بين الاستعلاء بالعقل وبين الاحتياج الفطري لليقين جعل الإنسان يتنازعه هوسان: هوس السيطرة على الحاضر وهوس التعبد للمستقبل ليفتح أبوابه الموصدة.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن ملاحقة الغجرية في أزقة المدن، أو تتبع حركة النجوم في التطبيقات الذكية، ما هو إلا اعتراف صامت بضعفنا. فنحن نعيش في مفارقة عجيبة مفادها أننا، وبقدر ما تقدمنا في العلم، زاد حنيننا إلى “النبوءة”، لأن العلم يمنحنا الحقائق، لكن النبوءة وحدها هي من تمنحنا “الوهم” الذي ننام على وسادته هانئين.
