بحثاً عن تعريفٍ للتصوف لا يُجمِّلُه في أعينِ منتقديه

إنَّ تدبُّرَ ما بين أيدينا من تعريفاتٍ للتصوف يبيِّنُ لنا أنها قد صيغت بكيفيةٍ تُظهِرُ من التصوفِ ما لا يقول عنه إلا بعضاً مما لا يكفي للتعريفِ به التعريفَ الكامل. فهذه التعريفاتُ كلُّها جميعاً تُجمِعُ على ظاهرِه الذي يحبِّب ممارستَه ويُيسِّرُها، وإلى الحدِّ الذي لا ينفِّرُ منها أولئك الذين حسبوا أنَّ التصوفَ هو لا أكثرَ من استزادةٍ من العلمِ بالدين تيسر للمتصوف أن يزداد عِلماً بما يشتمل عليه من معارفَ تجعلُه أكثرَ إحاطةً بحقيقةِ الدين.
وهذه التعريفات، أو بعضها على الأقل، قد حجبت حقيقةَ التصوف التي ينطوي عليها باطنُه، فلم تتحدث عنها وتركتها حرصاً منها على أن يتبينَ المتصوف (وهو الذي يريد أن يتعمق في التجربةِ الصوفية) بنفسه هذه الحقيقة، والتي مفادها أنَّ التصوف هو العِلمُ الذي يتيحُ لك الحصولَ على ما يمكنك من  التعرف إلى عدوك الحقيقي تعرفاً يجعلك تعاينه وجهاً لوجه، ويكفل لك أن تقهره إن صحَّت منك النية وعلت همَّتُك حتى تكونَ أهلاً لهذه المواجهة التي لن تفوزَ فيها إلا بقلبٍ صادق وعقلٍ لا يشغلُه عن خالقِه شاغل لم يأذن له به.
فلو أنَّ التصوفَ عرَّفك بعدوِك الحقيقي، وأخبرك بأنه تحالفٌ بين نفسك والشيطان، لتهيَّبتَ مما سيكون عليه حالُك حين تواجه هذا العدو وأنت لا تدري لمَن ستكون حينها الغلبة!

أضف تعليق