
يرسم لنا تاريخ الفكر الإنساني مفارقة لافتة؛ فكلما أوغل العقل في “المنطق التجريبي”، وجد نفسه وجهاً لوجه أمام أسئلة لا يجيب عنها المختبر. ليس هذا نكوصاً عن العلم، بل هو طموح لتوسيع حدوده. تتجلى هذه الحالة في ثلاث شخصيات شكلت أعمدة النهضة والفيزياء الكلاسيكية وعلم النفس الحديث المتمثلة في ليوناردو دا فنشي إسحاق نيوتن وكارل جوستاف يونغ. فعلى الرغم من الفواصل الزمنية التي تفصل بينهم، توحدت هذه العقول في تبني “الأدوات العلمية” الصارمة. فدافنشي هو رائد التشريح والملاحظة البصرية الدقيقة ونيوتن هو واضع القوانين الرياضية التي فسرت الكون لقرون ويونغ هو الذي سعى لإخضاع “اللاوعي” للملاحظة السريرية والتحليل الموضوعي. ومع ذلك، لم يكتفِ هؤلاء بما يقدمه المنهج التقليدي، بل انغمسوا فيما اعتبره معاصروهم (أو لاحقوهم) “خوارق” أو “غيبيات”. فدافنشي، انشغل بالرموز الخفية والنسب المقدسة والنبوءات الكونية. ونيوتن، قضى من عمره في دراسة “الخيمياء” وتفسير النصوص التوراتية أكثر مما قضى في الفيزياء. أما يونغ فقد غاص في عالم الأساطير والتزامن (Synchronicity) والباراسيكولوجيا.
إن اتهام هذه العقول بـ “التناقض” هو قراءة قاصرة لطبيعة عبقريتهم. فلم يكن اهتمام نيوتن بالخيمياء ارتداداً عن الجاذبية، بل كان بحثاً عن “القوة الحيوية” التي تحرك المادة والتي لم تستطع الرياضيات وحدها تفسيرها. وبالمثل، لم يكن اهتمام يونغ بالخوارق ابتعاداً عن الطب النفسي، بل كان محاولة لفهم “ديناميكا الروح” التي تفلت من المقاييس المادية. فهم يمثلون “المنهجية المزدوجة” التي قوامها الإيمان بأن الوجود يتكون من طبقتين:
1. طبقة الظواهر: التي تخضع للملاحظة والقياس والتجربة (العلم كما نعرفه).
2. طبقة الجوهر: التي تحتوي على حقائق لا تخضع للقوانين الميكانيكية، لكنها تظل “حقائق” ذات تأثير ملموس.
إن ما يجمع دافنشي ونيوتن ويونغ هو ذلك اليقين بأن عجز العلم الحالي عن تفسير ظاهرة ما لا يعني “عدم وجودها”، بل يعني “قصور الأداة”. كانوا جميعاً يتطلعون إلى يوم يتطور فيه العقل البشري ليبتكر منهجاً معرفياً يتسع لما هو (لاعقلاني) بمعايير اليوم. لقد آمنوا أن الحقيقة وحدة واحدة لا تتجزأ، وأن الفصل بين “العلمي” و”الميتافيزيقي” هو فصل إجرائي مؤقت فرضته محدودية حواسنا وأدواتنا. فقد كان انشغالهم بـ “الخوارق” أو “الرموز” هو بمثابة “تمرين ذهني” لاستباق علم المستقبل؛ ذلك العلم الذي لا يكتفي بوصف حركة الكواكب، بل يسأل عن المعنى الكامن خلف هذه الحركة.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن هذه الشخصيات العظيمة لم تكن تمارس “هوايات غيبية” في وقت فراغها العلمي، بل كانت تمارس “العلم في أقصى طموحاته”. لقد علمونا أن الباحث الحقيقي هو من يمتلك شجاعة الملاحظة التجريبية في يد، وشجاعة التساؤل الميتافيزيقي في اليد الأخرى، بانتظار اللحظة التي يذوب فيها هذا التناقض في بوتقة منهج معرفي جديد يُدرج “المستحيل” في قائمة “الممكن دراسته”.
