الفوضى بوصفها إسقاطًا معرفيًا

لم يكن اتهام الوجود بالفوضى، في أي مرحلة من مراحل التفكير الإنساني، توصيفًا بريئًا لواقع موضوعي بقدر ما كان تعبيرًا عن مأزق معرفي عميق يعانيه الإنسان في تعامله مع ما يَرِد إليه من معطيات حسية. فالفوضى، كما تُستدعى في الخطابات التي تُحمِّل الوجود مسؤولية غياب النظام، لا تقوم بوصفها خاصية قائمة في الخارج، بل بوصفها نتيجة مباشرة لاختلالٍ في آليات المعالجة الذهنية التي يتوسل بها الإنسان لفهم هذا الخارج.
إن الفرضية القائلة بأن الوجود في أصله فوضوي، وأن الإنسان هو من يضفي عليه النظام عبر ما يبتكره من أنساق وقوانين، تقوم على قلبٍ جذري لمسار العلاقة بين الإدراك والواقع. فهي تفترض ضمنيًا أن النظام مُنتَج إنساني خالص، وأن الطبيعة لا تحمل في ذاتها أي انتظام إلا ما يُسقطه عليها العقل البشري. غير أن هذا التصور، على ما يبدو عليه من جاذبية، يتهاوى عند أول فحص إبستمولوجي جاد؛ إذ يغفل أن ما يُسمّى “نظامًا” في العلم ليس خلقًا من عدم، بل اكتشافًا لأنماط قائمة سلفًا، وأن مهمة العقل هي ليست فرض البنية على الواقع، بل التقاطها ضمن حدود قدرته.
فلو كان الوجود فوضويًا بالمعنى الحقيقي، لما أمكن للعلم ذاته أن يقوم. إن قيام العلوم الطبيعية، منذ قوانين الحركة إلى فيزياء الكم، لا يدل على قدرة الإنسان على “فرض النظام”، بل على وجود قابلية بنيوية في العالم لأن يُفهم ضمن أنماط قابلة للاستخلاص. فالقانون العلمي لا يخلق انتظامًا، بل يشير إليه. ومن ثم، فإن الزعم بأن الإنسان هو مصدر النظام في الوجود يُفضي، ويا للتناقض، إلى نفي الأساس الذي يقوم عليه العلم ذاته.
غير أن موطن الخلل في هذا التصور لا يكمن في نتائجه فحسب، بل في مقدماته المعرفية. فالإدراك الإنساني، كما تُظهره دراسات علم الأعصاب والإدراك، ليس مرآة شفافة تعكس الواقع كما هو، بل هو جهاز انتقائي يعيد تركيب المعطيات الحسية ضمن نماذج داخلية مضغوطة. فالدماغ لا يستقبل العالم في صورته الكاملة، بل يختزل ويعمم ويربط بين عناصر متباعدة وفق آليات ترجيح احتمالي. وهذا ما يجعله عرضة لإنتاج “فوضى معرفية” حين تفشل هذه النماذج في استيعاب التعقيد الكامن في الواقع.
إن ما يُسمّى بالفوضى، في هذا السياق، ليس خاصية للوجود، بل لحظة انكسار في نموذج الفهم. فعندما تتراكم المعطيات دون أن ينجح العقل في إدماجها ضمن بنية تفسيرية متماسكة، يظهر الواقع وكأنه مفكك ومتشظٍ وبلا نظام. غير أن هذا التفكك لا يخص الواقع في ذاته، بل يخص الخريطة الذهنية التي عجزت عن تمثله. وبعبارة أدق: “الفوضى ليست في الوجود، بل في التمثّل”.
ومن هنا، يمكن إعادة قراءة ما يُروَّج له بوصفه “عبقرية الإنسان في فرض النظام” قراءة مغايرة تمامًا. فهذه العبقرية لا تتمثل في خلق النظام من قلب الفوضى، بل في القدرة على تقليل فجوة التمثّل، أي في تحسين أدوات قراءة نظام قائم أصلًا. إن القوانين والمؤسسات والأنساق التي يبتكرها الإنسان ليست إلا محاولات لترميم خلل إدراكي، لا لإعادة تشكيل الواقع من أساسه، لكن المفارقة الأكثر عمقًا تكمن في أن الإنسان، في كثير من الأحيان، لا يكتفي بإساءة قراءة النظام، بل يعمد إلى استبداله بأنظمة مصطنعة تزيد من تعقيد العلاقة بينه وبين الواقع. فبدل أن تكون هذه الأنساق وسائل للفهم، تتحول إلى وسائط تحجب ما يُفترض أن تكشفه، فتضاعف من الشعور بالفوضى بدل أن ترفعه. وهنا تحديدًا، تنقلب المعادلة؛ حيث أن الإنسان لا يعود مُنظِّمًا للفوضى، بل مُنتجًا لها على مستوى تمثله.
إن الفوضى، بهذا المعنى، ليست خاصية أنطولوجية للوجود، بل ظاهرة إبستمولوجية تنشأ عند تقاطع محدودية الإدراك مع فائض المعطيات. وهي لا تسكن العالم، بل تسكن الكيفية التي يُعاد بها بناء العالم داخل الذهن. ومن ثم، فإن اتهام الوجود بالفوضى لا يكشف عن حقيقة الوجود، بقدر ما يكشف عن حدود الإنسان. وعليه، فإن إعادة الاعتبار للنظام لا تبدأ بإعادة ترتيب العالم، بل بإعادة النظر في أدوات إدراكه. فحيثما وُجد الخلل في التمثّل، وُلدت الفوضى. وحيثما استقام الفهم، انكشف ما كان يُظن أنه فوضى بوصفه نظامًا لم يُدرك بعد.

أضف تعليق