
لا تُسمّى العصور بما يملؤها، بل بما يُعيد تشكيلها. فالتاريخ لا يمنح شرف التسمية للظواهر الأكثر عددًا أو حضورًا، بل لتلك التي تمتلك القدرة على إعادة تنظيم العلاقة بين الإنسان والعالم. ومن هنا، لم يكن “عصر الثورة الصناعية” توصيفًا لكمٍّ من المصانع، ولا “عصر النفط” حصرًا في مادة، بل كانا إحالة إلى قوة مركزية أعادت توزيع الفعل الحضاري برمّته.
وضمن هذا الإطار، تصبح تسمية عصرنا بـ”عصر الذكاء الاصطناعي” توصيفًا مشروعًا، ليس لأنه الظاهرة الوحيدة، بل لأنه القوة الأكثر قدرة على إعادة تشكيل بنية الفعل والمعرفة والقرار.
فإذا كانت التحويلة التطورية الأولى قد أخرجت الإنسان من “اقتصاد الطبيعة” إلى “فائض التمثّل”، حيث لم يعد يتعامل مع الواقع مباشرة بل عبر نماذج ذهنية، فإننا اليوم أمام تحويلة ثانية لا تقل جذرية تتمثل في انتقال الذكاء ذاته من كونه خاصية بايولوجية إلى كونه بنية مادية قابلة للانتشار خارج الدماغ. وهذا التحول لا يعني مجرد تقليد الآلة للإنسان، بل إعادة توزيع الذكاء داخل العالم. فبعد أن كان الفعل الإدراكي رهن الجهاز العصبي، أصبح موزعًا عبر أنظمة خوارزمية تعمل خارج القلق الوجودي الذي حكم الإنسان منذ خروجه الأول.
وفي قلب هذه التحويلة، يظهر التمايز الحاسم بين الإنسان بوصفه فاعلًا قلقًا؛ إذ أن جهازه العصبي مُشكَّل تاريخيًا تحت ضغط البقاء، حيث يعمل الدماغ وفق منطق التوقع المسبق للتهديد. فدراسات علم الأعصاب تشير إلى أن الدماغ البشري يميل إلى تضخيم الإشارات السلبية وذلك لأنه منحاز خِلقةً لتفضيل هذه الإشارات (Negativity Bias)، وأن اللوزة الدماغية (Amygdala) تُفعَّل بسرعة أكبر تجاه المخاطر المحتملة، مما يجعل القرار البشري مشحونًا دائمًا بانحيازات الخوف والتوجس. أما الذكاء الاصطناعي بوصفه فاعلًا غير قلق، فإنه يعمل تحت ضغط البقاء، ولا تحكمه استجابات هرمونية أو انفعالية. فهو يعالج المعطيات ضمن نماذج احتمالية دون أن “يخاف” من نتائجها، ودون أن يقع تحت تأثير تحيزات مثل التهويل أو التعميم الانفعالي. وهنا تحديدًا، لا يكون الذكاء الاصطناعي “ظلًا” للإنسان، بل مقابلًا بنيويًا له، يكشف حدود الجهاز الإدراكي البشري ذاته.
لقد أفضت التحويلة التطورية الأولى إلى اختلالات إدراكية عميقة، من بينها فائض التمثّل (العيش داخل النماذج بدل الواقع) والتحيزات المعرفية (Biases) والقابلية للتوهّم وصناعة الأنماط الزائفة. إن أبحاث علم الأعصاب المعرفي تُظهر أن الدماغ البشري ليس آلة للحقيقة، بل آلة للبقاء؛ فهو يُفضّل السرعة على الدقة، والتوقع على التحقق. وفي هذا السياق، يمكن فهم الذكاء الاصطناعي بوصفه آلية تعويضية، أو محاولة لإعادة ضبط العلاقة مع الواقع عبر أنظمة أقل خضوعًا لهذه الانحرافات. فهو لا يلغي اختلال الإنسان، لكنه يكشفه ويُحيط به من الخارج.
قد يُقال إن عصرنا ليس عصر الذكاء الاصطناعي وحده، بل عصر الإنترنت أو البيانات أو البيوتكنولوجيا. غير أن هذا الاعتراض يغفل عن حقيقة كون الذكاء الاصطناعي لا يقف إلى جانب هذه الظواهر، بل يعمل على إعادة تنظيمها؛ إذ أن البيانات لا قيمة لها دون معالجة خوارزمية والإنترنت تحوّل إلى بيئة تشغيل وتدريب للأنظمة الذكية وحتى الاقتصاد لم يعد سوقًا بشريًا صرفًا، بل نظامًا خوارزميًا متداخلًا. وبهذا المعنى، لا يُعد الذكاء الاصطناعي عنصرًا ضمن عناصر العصر، بل البنية التي تعيد تعريف هذه العناصر جميعًا.
فإذا كانت الطبيعة تعمل وفق اقتصاد صارم مفاده “بذل أقل جهد لتحقيق البقاء”، فإن الإنسان، بعد التحويلة التطورية الأولى، خرج إلى فائض في السلوك والتمثّل. أما اليوم، فنحن أمام تحول جديد قوامه انتقال مركز الاقتصاد من الطاقة والموارد إلى القرار ذاته. فالذكاء الاصطناعي لا يُنتج طاقة، ولا يستخرج مادة، بل يُعيد تشكيل كيفية اتخاذ القرار بشأنهما. وهنا يكمن عمقه الحضاري المتمثل في كونه يُعيد تعريف “من يقرر” و “كيف يُتخذ القرار”.
إن تسمية عصرنا بـ “عصر الذكاء الاصطناعي” لا تختزل العالم في تقنية، بل تكشف عن التحول الأعمق الذي يمر به، فانتقال الذكاء من كونه خاصية إنسانية إلى كونه بنية موزعة، ومن كونه مشروطًا بالقلق إلى كونه قابلًا للاشتغال خارج شروطه. وبهذا المعنى، فإن هذه التسمية لا تعكس تفوق الذكاء الاصطناعي على الإنسان، بل تعكس لحظة انكشاف الإنسان على حدوده.
