
لا يكاد يخلو مجتمع إنساني، قديماً كان أم حديثاً، من ذلك الميل العميق نحو استكناه الغيب، ولا سيما ما يتصل بالمصير الشخصي للفرد (رزقه، زواجه، مكانته، ونجاته من الخطر المجهول). ويتبدّى هذا الميل في صور متعددة، تتراوح بين أشكال التدين المؤسسي وممارسات شعبية هامشية كقراءة الكف وتفسير الفنجان وملاحقة العرّافين والمنجّمين. غير أن الجامع بين هذه الصور جميعاً ليس مضمونها، بل بنيتها الإدراكية؛ حيث أنها محاولات متكررة لاقتحام المستقبل، أو على الأقل تدجينه رمزيًا.
إن هذا الانتشار العالمي، العابر للثقافات والأزمنة، لا يمكن تفسيره بوصفه انحرافاً عرضياً أو بقايا جهل لم تُمحَ بعد، بل هو مؤشر بنيوي على خلل أعمق في طريقة اشتغال العقل الإنساني. فلو كان الإنسان كائناً مندمجاً بالكامل في اقتصاد الطبيعة، مكتفياً بالاستجابة المباشرة للمعطيات الحسية كما هو حال الكائنات الأخرى، لما احتاج إلى هذا الإفراط في تمثل ما لم يحدث بعد. الحيوان لا يسأل عن مستقبله، لأنه لا يعيش في تمثله، أما الإنسان، فمنذ تلك التحويلة التطورية الأولى، لم يعد يسكن العالم، بل يسكن نموذجاً عنه.
من هنا، يمكن فهم الهوس بالتنبؤ لا بوصفه بحثاً عن معرفة، بل بوصفه تعويضاً عن فقدان يقين. فالإنسان، وقد خرج على إيقاع الطبيعة المباشر، وجد نفسه معلقاً في فضاء احتمالي مفتوح، لا تحكمه استجابات غريزية كافية لضبط القلق. وهذا القلق، الذي يمكن تسميته في الإطار الميتابايولوجي بـ ”القلق البنيوي”، يدفعه إلى إنتاج أنظمة رمزية تمنحه وهم السيطرة، من الأبراج إلى الرؤى إلى الحسابات الثيوصوفية.
وهنا يبرز تقاطع لافت بين الهوس بالتنبؤ والهوس بتنويع أنماط التدين. فكلاهما، رغم اختلاف أدواته، يصدر عن الحاجة ذاتها؛ الحاجة إلى استعادة مركزٍ ضائع، أو إلى الإحساس بوجود نظام يتجاوز الفوضى الظاهرة. غير أن الفرق بينهما ليس في الجوهر، بل في درجة ضبط التمثّل. فالتدين، في صيغته المنضبطة، يحاول أن يحدّ من فائض التمثّل عبر ربطه بإطار معياري، أما الممارسات “العرّافية”، فتُطلق هذا الفائض بلا قيد، فتحوّل الإنسان إلى كائن يطارد إشارات عشوائية ويعيد تأويلها بوصفها “رسائل كونية”.
وتدعم هذه القراءة معطيات علم الأعصاب المعاصر، حيث تشير الدراسات إلى أن الدماغ البشري مُهيّأ لاكتشاف الأنماط حتى في غيابها، وهي ظاهرة تُعرف بـ”الاستدلال المفرط على الأنماط”apophenia . كما أن نظام المكافأة العصبي يعزّز هذا السلوك؛ فكل “تنبؤ” يبدو وكأنه تحقق، حتى وإن كان مصادفة، يولّد دفعة من الدوبامين تعيد تثبيت السلوك وتدفع إلى تكراره. وبذلك، لا يعود الإنسان مجرد باحث عن المستقبل، بل مدمنًا على الإحساس بأنه يقترب منه.
وإلى جانب ذلك، تؤدي التحيزات الإدراكية دوراً مركزياً، مثل “وهم التحكم” (illusion of control) و”التحيز التأكيدي” (confirmation bias)، حيث ينتقي الفرد من الواقع ما يؤكد صحة التنبؤ ويتجاهل ما ينقضه. وهنا يتجلى اختلال الإدراك بعد التحويلة التطورية الأولى في أوضح صوره؛ حيث أن الواقع لا يُدرَك كما هو، بل يُعاد تشكيله ليتوافق مع النموذج الذهني المسبق.
إن هذا الهوس، في جوهره، ليس دليلاً على قوة الإنسان، بل على هشاشته؛ إذ أنه تعبير عن كائن فقد علاقته المباشرة بالعالم، ولم يستطع بعد أن يؤسس بديلاً مستقراً عنها. ولذلك، فهو يتأرجح بين نظامين: نظام عقلاني يحاول أن يضبط العالم عبر السببية، ونظام رمزي ينفلت نحو “الغيبيات” طلباً للطمأنينة. وما لم يُفهم هذا التوتر بوصفه نتيجة مباشرة لتلك الانعطافة التطورية، سيظل يُفسَّر إما كجهل يجب القضاء عليه، أو كحقيقة ميتافيزيقية ينبغي التسليم بها، في حين أنه، في الواقع، عرضٌ لبنيةٍ إدراكية مختلّة تبحث عن توازن مفقود.
ولعل أكثر ما يكشف عمق هذه الهشاشة هو أن الإنسان، حتى في أكثر صوره حداثة وعلمية، لم يتخلَّ عن هذا النزوع، بل أعاد إنتاجه في قوالب جديدة: من النماذج التنبؤية الاقتصادية إلى هوس تحليل البيانات الشخصية، ومن متابعة “اتجاهات المستقبل” إلى البحث المحموم عن إشارات تدل على ما سيأتي. لقد تغيّرت الأدوات، لكن البنية بقيت على حالها والمتمثلة في كائن لا يحتمل أن يكون وحيداً في مواجهة المجهول، فيبتكر، بلا انقطاع، وسائل توهمه بأنه ليس كذلك.
