ومِن التعليمِ الإلهي ما هو مسبَّبٌ بأسباب

ليس كلُّ التعليمِ الإلهي سواء؛ فإذا كان اللهُ تعالى قد علَّمَ الإنسانَ (آدم) أسماءَ الملائكةِ كلَّها (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا) تعليماً لدُنياً، غيرَ مسبَّبٍ بما نعرف من أسباب، فإنه قد علَّمَ الإنسانَ بالقلمِ الإلهي ما لم يكن ليعلمَه من دونه (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) (4- 5 العلق). وهذا التعليمُ بالقلمِ الإلهي متحقِّقٌ اليوم تحقُّقَه بالأمسِ البعيد يومَ شرعَ الإنسانُ في التعلُّمِ من الصحفِ الأولى، صحفِ إبراهيمَ وموسى.
وهذا هو حالُنا اليوم؛ فكلما قرأنا ما تيسَّرَ من قرآنِ الله، عُلِّمنا مما فيه علماً ما كان لإنسانٍ أن يعلمَه لولا ما جاءنا به هذا القرآن. فالإنسانُ ما كان ليعلمَ بحواسِه، وبالتالي بعقلِه، أنَّ هناك إلهاً واحداً لا إلهَ إلا هو، هو الله، ولا كان ليعرفَ أبداً أنَّ هذا الإلهَ الواحد جامعُ الناسِ كلِّهم جميعاً يومَ القيامة للحساب. فالتعليمُ الإلهي مستمرٌ بهذا القرآن استمراراً سببياً. وهذا القرآن أنزله اللهُ تعالى، كما أنزلَ غيرَه من الصحفِ الإلهية، تنزيلاً من لدنه من دون أسبابٍ كتلك التي تعرفها منظومةُ العقل السببية التي لا تعترف بجبريل كما لا تعترف بأي كائنٌ أو كيان خارجها.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أنه إذا كان القرآن قد تنزَّلَ تنزُّلاً تعجزُ الأسبابُ التي نعرفُها عن التعليلِ له، فإنَّ اللهَ تعالى يعلِّمنا بهذا القرآن تعليماً مسبَّباً بما نعرفُ من أسباب.

أضف تعليق