اللاأدرية بوصفها خللًا بنيويًا… مقاربة جديدة في قصيدة “لست أدري”

تبدو قصيدة “لست أدري” للشاعر المهجري إيليا أبو ماضي، عند قراءتها قراءة سطحية، وكأنها تعبير شعري عن حيرة فلسفية كلاسيكية إزاء أسئلة الوجود الكبرى: من أين جئت؟ إلى أين أمضي؟ ولماذا أنا هنا؟ غير أن هذه القراءة، على وجاهتها، تبقى قاصرة إذا ما وُضعت القصيدة في سياق أعمق، يتجاوز حدود التأمل الفلسفي إلى مساءلة البنية الإدراكية ذاتها التي تُنتج هذا السؤال. وهنا تحديدًا، يمكن إدراج القصيدة ضمن الأفق الميتابايولوجي، بوصفها شهادة أدبية مبكرة على “اختلال التمثّل بعد التحويلة التطورية الأولى”.
إن عبارة “لست أدري”، التي تتكرر بوصفها لازمة بنيوية في القصيدة، لا تعبّر عن جهل بسيط أو نقص في المعلومات، بل عن عجز بنيوي في الجهاز الإدراكي ذاته. فالشاعر لا يقف أمام سؤال لم تُتح له فرصة الإجابة عنه، بل أمام سؤال نشأ من خلل في شروط السؤال نفسها. وهذا ما يجعل من “اللاأدرية” هنا حالة وجودية لا يمكن تجاوزها بمجرد التقدم في المعرفة، لأنها ليست فجوة معرفية بل نتيجة حتمية لـ “فائض التمثّل” الذي دخل فيه الإنسان بعد خروجه من “اقتصاد الطبيعة”.
وفي هذا الإطار، يمكن فهم الحيرة التي يعيشها الإنسان، سواء كان في عبقرية ألبرت أينشتاين أو في بساطة رجل الشارع، بوصفها حالة عامة لا تميّز بين درجات الذكاء. فالمشكلة لا تكمن في قدرة الفرد على التحليل أو الاستنتاج، بل في طبيعة الأسئلة التي يفرضها عليه وعيه ذاته. فالعبقري، في نهاية المطاف، لا يملك إلا أدوات أكثر تعقيدًا لإعادة إنتاج الحيرة نفسها، وليس تجاوزها. وهذا ما يفسر كيف أن التقدم العلمي، بدل أن يبدد القلق الوجودي، فقد عمّقه، لأنه وسّع من مجال التمثّل دون أن يعيد الإنسان إلى اقتصاد الطبيعة الذي كان يضمن له نوعًا من الاتساق الداخلي.
ومن هنا، فإن قصيدة “لست أدري” يمكن قراءتها بوصفها تجليًا شعريًا لما يمكن تسميته بـ “صدمة الوعي بالتمثّل”. فالإنسان، بعد التحويلة التطورية الأولى، لم يعد يعيش العالم مباشرة، بل عبر طبقات من النماذج الذهنية التي تفصله عنه. وهذه الوساطة، التي كانت في بدايتها أداة للسيطرة والتكيّف، تحوّلت إلى مصدر دائم للقلق، لأنها فتحت أمامه أفقًا لانهائيًا من الاحتمالات دون أن تزوده بآلية حاسمة للاختيار بينها.
إن الشاعر، حين يسأل عن أصله ومصيره، لا يفعل ذلك بدافع الفضول المعرفي فحسب، بل بدافع الاختلال الذي أصاب علاقته بالزمن. فالإنسان، بخلاف الكائنات الأخرى، لا يعيش في الحاضر، بل هو موزع بين ماضٍ يتخيله ومستقبل يخشاه. وهذا التمزق الزمني هو أحد أبرز آثار فائض التمثّل، حيث يتحول الزمن من إطار للوجود إلى مصدر للتهديد. ومن هنا، يصبح السؤال عن “المآل” أكثر إلحاحًا من السؤال عن “الحال”، لأن الوعي لم يعد قادرًا على الاكتفاء بما هو كائن، بل يطالب دائمًا بما سيكون. وفي ضوء ذلك، يمكن فهم النبرة المفرطة في الحزن التي تتسلل إلى القصيدة، لا بوصفها موقفًا نفسيًا ذاتيًا، بل بوصفها انعكاسًا لبنية إدراكية مأزومة. فالإنسان، كما تصوره القصيدة، هو كائن أُخرج من توازنه الطبيعي، وأُلقي به في فضاء من الأسئلة التي لا يملك أدوات حسمها. وهو ما يتقاطع مع الطروحات المركزية التي تقوم عليها الميتابايولوجيا بصفتها مشروعاً بحثياً مفتوحاً على آفاق تجليات الانعطافة التطورية الأولى، القائلة بأن الإنسان، ومن بعد هذه التحويلة، فقد آليات التنظيم الداخلي التي كانت تضبط سلوكه في إطار اقتصاد الطبيعة، وأصبح عرضة لتقلبات تمثّلية لا نهاية لها.
غير أن القيمة الحقيقية لقصيدة “لست أدري” لا تكمن في تشخيصها لهذا المأزق فحسب، بل في صدقها في الامتناع عن تقديم حلول زائفة. فالشاعر لا يلجأ إلى يقينيات جاهزة، ولا يحتمي بأنساق فكرية مغلقة، بل يصرّ على البقاء داخل السؤال. وهذا الموقف، على ما فيه من قلق، قد يكون أكثر اتساقًا مع طبيعة الإنسان بعد التحويلة، لأنه يعترف بحدود المعرفة بدل أن يتجاوزها ادعاءً.
وبهذا المعنى، يمكن القول بأن “لست أدري” ليست مجرد قصيدة في الحيرة، بل هي نص ميتابايولوجي بامتياز، يكشف عن اللحظة التي يدرك فيها الإنسان أن وعيه، الذي كان يُفترض أن يكون أداته لفهم العالم، قد أصبح هو ذاته مصدر اغترابه عنه. ومن هنا، فإن شقاء الإنسان لا يعود إلى قسوة العالم بقدر ما يعود إلى الطريقة التي أُعيدَ تشكيل إدراكه بها، بعد الانعطافة التطورية الأولى؛ حيث لم يعد قادرًا على العيش دون تفسير، ولا قادرًا على بلوغ تفسير نهائي. إنها، في جوهرها، مأساة كائن لم يعد يستطيع أن يكون، إلا إذا فهم، ولم يعد يستطيع أن يفهم، إلا إذا ازداد اغترابًا.

أضف تعليق