
تسعى هذه المقالة إلى بناء نموذج تحليلي يميّز بين مستويين في التعليم الإلهي: مستوى المصدر بوصفه اختراقًا يتجاوز المنظومة السببية المألوفة، ومستوى التلقي بوصفه عملية معرفية تخضع لقوانين الإدراك العصبي والتعلّم. وتدافع المقالة عن أطروحة مفادها أن الوحي، وإن كان في أصله غير قابل للتعليل ضمن أطر السببية الطبيعية، فإنه يتحوّل عند دخوله في البنية الإدراكية الإنسانية إلى عملية سببية قابلة للفهم ضمن علوم الأعصاب والإدراك. وبذلك، لا يكون الوحي نقيضًا للسببية، بل لحظة تأسيسية تعيد توجيهها من داخل حدودها.
فالسؤال عن طبيعة “التعليم الإلهي” ظل أسير ثنائية متعارضة، فإما أن يُفهم بوصفه حدثًا خارقًا ينفي السببية، أو يُختزل ضمن عمليات عقلية قابلة للتفسير الكامل. غير أن هذه الثنائية تقوم على افتراض مضمر، هو أن الحدث لا يمكن أن يكون في آنٍ واحد خارج المنظومة وداخلها. وتقترح هذه المقالة مقاربة ثالثة مفادها أن يصار إلى تفكيك الظاهرة إلى مستويين غير متماثلين، لكنهما متداخلان وظيفيًا هما:
• الأول هو المصدر (Source):حيث يقع الوحي بوصفه اختراقًا غير سببي.
• والثاني هو التلقي (Reception):حيث يُعاد تمثّل هذا الوحي داخل الدماغ وفق قوانين الإدراك.
وفي هذا المستوى، لا يُفهم الوحي كامتداد لسلسلة أسباب، بل كـ انقطاع داخلها.
هذا التصور لا يعني الفوضى، بل يشير إلى ما يمكن تسميته بـ”السببية غير القابلة للنمذجة داخل النظام”. ويمكن مقاربة هذه الفكرة فلسفيًا عبر أعمال عمانويل كانط Immanuel Kant، الذي ميّز بين:
• الظواهر (Phenomena) القابلة للإدراك.
• والشيء في ذاته (Noumenon) الذي لا يخضع لأدوات المعرفة البشرية.
والوحي، ضمن هذا الإطار، لا يُختزل في الظواهر، بل يقتحمها من مستوى لا يمكن استيعابه بالكامل داخلها. وبمجرد أن يتحول الوحي إلى نص مقروء أو مسموع، فإنه يدخل في منظومة مختلفة تمامًا “منظومة المعالجة الإدراكية العصبية”.
وهنا لابد من أن يُطرح سؤال مفاده: “كيف يتحول حدث غير سببي إلى عملية سببية؟” يكمن الجواب في التمييز بين: طبيعة الحدث وطبيعة تمثّله. فالوحي، في مصدره غير خاضع لقوانين النظام الإدراكي، ولكنه يخضع لها عند تلقيه؛ حيث يُعاد تمثله عبر شبكات عصبية ويخضع لقوانين التعلم والانتباه والذاكرة. ويمكن تشبيه ذلك بـ “إشارة خارج النظام يتم إدخالها إلى نظام مغلق، فيعاد صياغتها بلغة هذا النظام”. وحتى بعد دخول النص في المنظومة العصبية، فإنه لا يُستقبل بشكل محايد. وتشير أبحاث دانيال كانيمان Daniel Kahneman إلى أن الإنسان يخضع لتحيزات مثل:
• انحياز التأكيد (Confirmation Bias)
• الانحياز للتوافر (Availability Heuristic)
وهذا يعني أن التعليم الإلهي، رغم موضوعيته، فإنه يمر عبر جهاز إدراكي غير موضوعي. وبالتالي، فإن فهم النص ليس انعكاسًا مباشرًا له، بل نتيجة تفاعل بين النص والبنية الإدراكية.
ويمكننا أن نلخص الإطار النظري الذي تقترحه هذه المقالة على مستويين، وذلك كما يلي:
المستوى الأول “الاختراق (Transcendent Input)” وهو مصدر غير سببي وغير قابل للنمذجة داخل النظام. والمستوى الثاني “التمثّل (Cognitive Processing)وتتمثل في معالجة عصبية سببية خاضعة لقوانين الإدراك والتعلم. والعلاقة بينهما ليست تناقضًا، بل تحولًا من مستوى إلى آخر. فعند إعادة تعريف العلاقة بين العقل والوحي؛ فإن الوحي لا يناقض العقل، بل يمدّه بمدخلات لا يستطيع إنتاجها ذاتيًا. إن حدود العقل ليست نهاية المعرفة. فالعقل ليس أداة للوصول إلى كل شيء، بل أداة لمعالجة ما يُقدَّم له. فالسببية ليست مغلقة، فوجود “اختراقات” لا يلغي السببية، بل يكشف أنها ليست نظامًا مكتفيًا بذاته.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن التمييز بين مصدر الوحي وتمثّله يتيح تجاوز الثنائية التقليدية بين الغيب والعقل. فالوحي، في هذا الإطار، ليس نقيضًا للعلم، بل ظاهرة تبدأ خارج نطاقه، ثم تدخل فيه بوصفها موضوعًا للمعالجة. وهكذا، يتحول التعليم الإلهي من حدثٍ متعالٍ إلى عمليةٍ إدراكية، دون أن يفقد طبيعته الأصلية. وبذلك، لا يكون السؤال: هل الوحي سببي أم غير سببي؟ بل: كيف يتحول “غير السببي” إلى “سببي” داخل البنية الإدراكية للإنسان؟
