
تقف البايولوجيا التطورية، بمقاربتها الداروينية الصارمة، عاجزة أمام بعض تجليات “الهشاشة الإنسانية”. فوفقاً لمبدأ “البقاء للأصلح”، فمن المفترض أن يطوّر الوعي البشري آليات دفاعية تجعل من الكائن أكثر صلابة واتساقاً مع بيئته. لكن الواقع يُظهر أن الوعي البشري يحمل في طياته بذور فنائه النفسي؛ فمن قلق وجودي واغتراب وشعور بالنقص، وهي أمور لا تخدم “البقاء” بالمعنى البايولوجي، بل تعيقه. وهنا، تبرز الحاجة إلى نموذج تفسيري بديل، نموذج يرى في هذه الهشاشة “علّة” خارجية طرأت على المسار التطوري ولم تكن جزءاً أصيلاً منه.
وهنا، يمكن استحضار فرضية كولن ويلسن، ففي روايته الفلسفية “طفيليات العقل” (The Mind Parasites)، يفترض كولن ويلسن وجود كيانات غير مادية تتغذى على طاقة الوعي البشري، مما يمنع الإنسان من إدراك قواه الكامنة.
تقترح هذه المقالة أن نأخذ فرضية ويلسن هذه إلى منطقة أكثر واقعية: ماذا لو كانت “الهشاشة” هي الأثر المتبقي لعدوى أصابت أسلافنا الأواخر؟
إن عجز التطور عن تفسير العلة من وراء المعاناة الإنسانية يجعل من فرضية “الطفيلي الوراثي” نموذجاً محتملاً للبحث. فالهشاشة ليست مجرد ضعف، بل هي استنزاف مستمر للطاقة النفسية والذهنية، يشبه تماماً عمل الطفيليات التي تستهلك مضيفها دون أن تقتله، لضمان استمرار بقائها فيه. فبدلاً من النظر إلى الهشاشة كخلل بايولوجي، يمكننا اعتبارها “ندبة” نفسية وراثية. فربما في لحظة ما من فجر التاريخ البشري، وعندما بدأ الوعي بالتشكل، تعرض الأسلاف لـ “صدمة وعي” أو “عدوى فكرية” (مشابهة لطفيليات ويلسن) عطلت قدرة العقل على التوازن الفطري. فالتوريث الجيني للحالة أدى الى أن هذه الإصابة لم تندثر، بل انتقلت عبر الأجيال لتصبح “هوية” إنسانية. وما نسميه اليوم “قلقاً وجودياً” أو “هشاشة أمام الألم” قد لا يكون إلا نشاطاً لتلك الطفيليات القديمة التي استوطنت “اللاوعي الجمعي”، وأصبحت جزءاً من تركيبتنا النفسية.
إن تبني وجهة نظر كولن ويلسن، بروح نقدية، يسمح لنا بفهم الهشاشة ليس كقدر محتوم، بل كـ “حالة مرضية” تاريخية أصابت الوعي البشري. فإذا كانت الداروينية ترى الإنسان كمنتج نهائي لعملية تحسين مستمرة، فإن فرضية “الطفيليات” تراه ككائن “مخترق” يحاول استعادة عافيته الأصلية. إن هشاشتنا هي الدليل الأكبر على وجود “شيء ما” يستنزفنا من الداخل، شيء لا تنصفه مختبرات البايولوجيا، لكن تستشعره بعمق أرواحُنا القلقة.
