البساطة بوصفها استعادة توازن مفقود

قبل التحويلة التطورية الأولى، كان الكائن الحي يعمل ضمن ما يمكن تسميته بـ “اقتصاد الطبيعة”، حيث لا يُنتج من التمثّلات إلا ما يخدم استجابته المباشرة. لم يكن هناك فائض افتراضي، ولا حاجة لتفسير معقّد لظواهر بسيطة. لكن مع الانتقال إلى “فائض التمثّل”، أصبح الإنسان يميل إلى تضخيم النماذج الذهنية، وإنتاج فرضيات تتجاوز المعطى الحسي.
ومن هنا، يمكن فهم عبارة (“أبقها بسيطةً “keep it simple”) لا كدعوة أخلاقية إلى التواضع، بل كآلية تصحيح معرفي. إنها محاولة لإعادة ضبط العلاقة بين “ما يُلاحظ” و”ما يتم افتراضه”، أي تقليص الفجوة التي اتّسعت بعد تلك التحويلة. فالتعقيد، في كثير من الأحيان، ليس انعكاسًا لتعقيد الواقع، بل لتعقيد الجهاز الذي يحاول فهمه.
فحين صاغ وليام أوكام William of Ockham مبدأه الشهير “لا ينبغي الإكثار من الكيانات دون ضرورة”، لم يكن بصدد اقتراح قاعدة تقنية فحسب، بل كان يضع حدًا لاندفاع العقل نحو توليد كيانات تفسيرية غير لازمة.
في الإطار الميتابايولوجي، يمكن قراءة شفرة أوكام بوصفها أداة لتقليص “فائض التمثّل”. فكل فرضية إضافية هي كلفة إدراكية، وكل كيان تفسيري زائد هو عبء على نظام يسعى في أصله إلى الاقتصاد. وبذلك، تصبح البساطة ليست اختيارًا جماليًا، بل ضرورة وظيفية لضبط استهلاك الموارد الإدراكية.
ومن المثير أن هذا المبدأ لا يقتصر على الفلسفة، بل يظهر بوضوح في مجالات عملية كالبحث الجنائي. فقد استقر لدى كثير من المحققين أن أبسط تفسير غالبًا ما يكون هو الأقرب إلى الحقيقة. ليس لأن الواقع دائمًا بسيط، بل لأن إدخال عناصر إضافية دون ضرورة يزيد من احتمالات الخطأ والانحراف عن المسار الصحيح. ففي التحقيق الجنائي، كل فرضية إضافية تعني توسيع فضاء الاحتمالات، وبالتالي زيادة “الضجيج المعرفي”. لذا فإن تقليص الفرضيات هو في جوهره تقليص لاحتمالات الخطأ. وهذا يتناغم تمامًا مع منطق “الاقتصاد التمثّلي” القائم على أساس من تقليل عدد النماذج الذهنية إلى الحد الأدنى الذي يفسّر المعطيات. والأمر ذاته نجده في الفيزياء النظرية. فالتاريخ العلمي يكشف أن النظريات التي حازت قبولًا واسعًا كانت غالبًا تلك التي نجحت في تفسير أكبر قدر من الظواهر بأبسط عدد من الفرضيات. ويمكن استحضار أعمال Albert Einstein، حيث لم تكن قوة نظرياته في تعقيدها، بل في قدرتها على إعادة صياغة الواقع بقوانين أكثر اختزالًا وأناقة. فالمعادلات التي تبدو بسيطة في شكلها تحمل كثافة تفسيرية هائلة، وهو ما يجعلها مثالًا على الاقتصاد التمثّلي في أرقى صوره.
والآن، إذا ما انتقلنا خطوة أبعد، يمكن ربط هذا الميل إلى البساطة بالبنية القلقة للإنسان بعد التحويلة التطورية الأولى. فالعقل الذي أصبح قادرًا على إنتاج سيناريوهات لانهائية، هو ذاته العقل الذي يغرق في احتمالات متضاربة. وهنا، تعمل البساطة كآلية لتقليص هذا القلق، عبر الحد من عدد السيناريوهات الممكنة.
إن التعقيد المفرط لا يولّد معرفة أعمق بالضرورة، بل قد يكون تعبيرًا عن العجز عن الحسم. بينما البساطة، حين تكون منضبطة بالمعطيات، تمثل شكلاً من أشكال الحسم الإدراكي.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أنه يمكن القول إن مقولات مثل( ابقها بسيطة) “keep it simple” وشفرة أوكام، وما يقابلها في التحقيق الجنائي والفيزياء النظرية، ليست إلا تجليات متعددة لقانون واحد هدفه السعي إلى تقليل الكلفة التمثّلية في نظام إدراكي يعاني من فائض الإنتاج. فالبساطة هنا هي ليست نقيضًا للتعقيد، بل أداة للسيطرة عليه. وهي ليست اختزالًا مخلًا، بل اختيار انتقائي يهدف إلى الحفاظ على التوازن بين القدرة على التمثّل وخطر الانفلات فيه. وبهذا المعنى، تصبح البساطة فضيلة إبستمولوجية، لا لأنها “أجمل”، بل لأنها “أدق” في بيئة إدراكية مهددة دائمًا بالإفراط في التخمين، والاستزادة مما لا طائل من وراءه.

أضف تعليق