بعضٌ مما انطوى عليه قولُ اللهِ تعالى “كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ” من معانٍ

تُظهِر لنا سورة يوسف “تلازماً” بين نمطَين من أنماطِ تدخلِ اللهِ تعالى في مسارِ الأحداث التي تحفلُ بها حياةُ عبادِه الصالحين، وهما التدخل الإلهي المباشر بـ “كن فيكون”، والتدخل الإلهي غير المباشر عبر نظام الأسباب. لنأخذ هنا مثالاً على ما تقصُّه علينا هذه السورةُ الجليلة من أمثلةٍ على هذا “التلازم”، وذلك بتدبُّرِنا لما حدث للنبي يوسف وهو في بيت العزيز عندما راودته امرأةُ العزيز عن نفسه: (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ. وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) (23- 24 يوسف).
يَظهر هذا “التلازم” بين نمطَي التدخل الإلهي المباشر وغير المباشر واضحاً جلياً في المشهد. فالنمط الأول كان بتمكينٍ النبي يوسف من رؤيةِ العزيز وهو يقترب من مهجِعه حيث كان النبي يوسف وامرأةُ العزيز (لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ)، الأمر الذي جعل النبي يوسف يحجم عن المضي قدماً فيما كان قد همَّ به. أما النمط الثاني، والمتمثل بتدخل الله تعالى غير المباشر عبر نظام الأسباب، فهو الذي أدى إلى اتخاذ النبي يوسف القرارَ الصائب، والوحيد، بوجوب مغادرة المهجع. فتدخل الله في صياغةِ المشهدِ حالَ دون أن ينتهيَ النهايةَ التي ما كانت لتستقيمَ مع كونِ النبي يوسف من عبادِ الله المخلَصين. فاللهُ تعالى كان بمقدورِه أن يجعل تدخلَه المباشر في صياغةِ هذا المشهد يتجلى في إعادةِ توجيه إرادةِ النبي يوسف، وبالكيفيةِ التي لا تجعله يهمُّ بامرأةِ العزيز من بعد أن همَّت هي به.

أضف تعليق