“الطقوسية”… نزعة بشرية متأصلة

يمكن مقاربة ما يمكن تسميته بـ “الإنسان الطقسي” بوصفه أحد أكثر تجليات الانعطافة التطورية الأولى كثافةً ودلالةً، ليس لأنه ظاهرة سطحية في السلوك البشري، بل لأنه يكشف عن خلل عميق في بُنية العلاقة بين الإدراك والفعل. فالإنسان، منذ خروجه على “اقتصاد الطبيعة” إلى “فائض التمثّل”، لم يعد يكتفي بالاستجابة لما هو ضروري، بل أصبح يُنتج أنماطًا من السلوك تتجاوز الحاجة الحيوية، وتستمد مشروعيتها من بنى رمزية لا من مقتضيات البقاء.
وفي هذا السياق، لا تعود الطقوس مجرد ممارسات دينية محدودة، بل تتحول إلى نمط إدراكي شامل، يعيد تشكيل مختلف مجالات الحياة وفق منطق تكراري صارم. فالطقس، في جوهره، هو إعادة إنتاج للفعل خارج ضرورته، ضمن إطار رمزي يُكسبه معنى يتجاوز وظيفته الأصلية. وهنا تحديدًا يتجلى أثر “فائض التمثّل”، حيث لا يعود الفعل محكومًا بجدواه المباشرة، بل بما يحمله من دلالات ضمن شبكة الاعتقاد الجماعي.
إن ولادة الإنسان، التي هي في أصلها حدث بايولوجي بحت، تتحول إلى سلسلة من الطقوس الاجتماعية؛ والزواج، بوصفه رابطة تنظيمية، يُغلف بطبقات من الشعائر التي قد تتجاوز في تعقيدها جوهر العلاقة نفسها. بل أن الانتماء إلى نادٍ رياضي أو حزب سياسي لا يُكتفى فيه بالاقتناع أو الاشتراك، بل يُعاد إنتاجه عبر “طقوس رمزية”، كالهتافات والألوان والشعارات وطقوس الحضور الجماعي، بل وحتى طقوس إقصاء للآخر المختلف. وهكذا، يمتد “التطقيس” ليشمل أدق تفاصيل الحياة اليومية، من طرق التحية إلى أنماط الأكل، ومن ترتيب الأشياء إلى أساليب التعبير عن الانتماء.
وهذا التوسع لا يمكن تفسيره بوصفه مجرد ميل ثقافي، بل بوصفه استجابة لبُنية إدراكية مختلّة. فالإنسان، بعد الانعطافة التطورية الأولى، أصبح كائنًا قلقًا، يبحث عن الاستقرار في عالم لم يعد مباشرًا. والطقس، في هذا الإطار، يعمل كآلية لتثبيت المعنى، وكأنه محاولة لإعادة فرض نظام على “واقع متفلّت”. إن التكرار الطقسي يمنح شعورًا بالسيطرة، ويُوهم بالقدرة على ضبط ما لا يمكن ضبطه، سواء كان ذلك الزمن أو المصير أو العلاقة بالآخر. غير أن هذا “الحل الإدراكي” يحمل في طياته مفارقة عميقة؛ إذ أنه، بدل أن يعيد التوازن، يُفاقم الاختلال. فالطقوس، بطبيعتها، لا تُبنى على المشترك الإنساني العام، بل على خصوصيات جماعية مغلقة. وكلما تعمّقت هذه الخصوصيات، ازداد التمايز بين الجماعات، وتحولت الطقوس إلى علامات حدودية تفصل بين “نحن” و”هم”. وهنا، لا تعود الطقوس مجرد تعبير عن الانتماء، بل تتحول إلى أدوات لإنتاجه، بل ولحمايته من الاختراق.
ومن هذا المنظور، يمكن القول إن “الإنسان الطقسي” ليس فقط كائنًا يبالغ في ممارسة الطقوس، بل هو كائن يعيد تشكيل العالم عبرها. إنه لا يرى الفعل إلا من خلال طابعه الرمزي، ولا يطمئن إلا لما يتكرر ضمن قالب مألوف. غير أن هذه الطمأنينة ذاتها هي ما يهدد قدرته على التكيف؛ إذ يصبح أسير أنماط لا تخضع للمراجعة، ويُقصي كل ما لا ينسجم مع بنيته الطقسية.
وعليه، فإن الطقوس، التي قد تبدو في ظاهرها عناصر تنظيم أو تعبير ثقافي، تكشف في عمقها عن مأزق ميتابايولوجي يصف ما أصبح عليه الانسان بعد الانعطافة التطورية الأولى: كيان خرج من اقتصاد الضرورة، ولم ينجح بعد في بناء اقتصاد بديل للمعنى، فلجأ إلى إعادة تدوير الفعل في صورة طقسية، لعلّه يستعيد بذلك توازنًا فقده. غير أن هذا الاسترجاع، بدل أن يكون عودة إلى البساطة، تحول إلى شبكة معقدة من الرموز التي تعمّق الفجوة بين الإنسان والعالم، وبين الإنسان وأخيه الإنسان.

أضف تعليق