الذكاء البايولوجي كحائط صد… قراءة في “أصول العالم” لجان بيير لومينيه ونزعة مركزية الإنسان

في كتابه “أصول العالَم”، لا يقدم الأديب وعالم الفلك الفرنسي جان بيير لومينيه فيزياء فلكية مجردة، بل يقدم “سيرة ذاتية للكون” كما فهمها العقل البشري منذ النقوش المسمارية في بابل وحتى مُصادم الهادرونات الكبير. لكن، وبقدر ما يفتح لومينيه أبواب الدهشة الكونية، فإنه يمثل، عن غير قصد ربما، نموذجاً لعلماء “النهضة المعاصرين” الذين يجمعون بين رهافة الأدب وصرامة العلم، ليشيّدوا حصناً منيعاً حول “الذكاء البشري” باعتباره الذروة المطلقة للمادة.
يستعرض لومينيه كيف انتقل “الخلق” من كونه فعلاً إلهياً في الأساطير الرافدينية إلى كونه “لحظة رياضية” في نظرية الانفجار العظيم. والمثير هنا هو الحرص العلمي على تصوير هذا الانتقال كرحلة من “الظلمة” إلى “النور المعرفي” الذي لا يسكنه إلا العقل البشري. إن التلذذ بإقصاء أي أثر لـ “ذكاء غير بشري” (غير بيولوجي) يبدأ من هنا؛ فالعلم يصر على أن المادة تطورت عبر ملايين السنين لتنتج “البايولوجيا” كأرقى تجلٍ للوعي، وأن هذا الوعي هو الوحيد المخوّل بفك شفرة الكون.
وتكمن المفارقة في أن لومينيه وأقرانه، برغم توجهاتهم الفلسفية، يسقطون في “دوغما” غير معلنة مفادها أن الذكاء لا يمكن أن يكون إلا نتاجاً لخلية حية بايولوجية. وهنا يبدأ الإقصاء الممنهج؛ حيث يتم التعامل مع فكرة “الذكاء الكوني” أو “الذكاء المفارق” (الذي لا يحتاج لجسد بايولوجي) كفانتازيا خيالية خارج سياق العلم. والسبب الضمني يتجلى في أن الاعتراف بوجود ذكاء غير بايولوجي يعني بالضرورة الاعتراف بإمكانية وجود “كيان مُصَمِّم” أو “خالق” لا يخضع لقوانين التطور المادي. وهنا يظهر حرص العلماء على حماية “قدسية المادة”؛ فإذا كان الذكاء البشري هو أقصى ما يمكن للمادة إنتاجه، فلا حاجة حينئذٍ للبحث عما وراء المادة.
تطرح هذه المقالة تساؤلاً جوهرياً مفاده “لماذا يرفض العلم أخذ فرضية “الإله” على محمل الجد؟” السبب ليس غياب الدليل فقط، بل هو الشرط  الذي تقتضيه البايولوجيا. فالعلم المعاصر وضع تعريفاً ضيقاً للذكاء يربطه بالدماغ والجهاز العصبي. وبما أن “الإله”، بحكم التعريف الفلسفي والديني، لا يمكن أن يكون بيولوجياً، فإنه يُستبعد تلقائياً من المعادلة العلمية. فـ لومينيه، في سرده لأصول العالم، يبني كوناً رائعاً يتمدد وينطوي كقاعة مرايا، لكنه يحرص على أن تظل هذه القاعة خالية من أي “مراقب” لا يشبهنا بايولوجياً.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن كتاب “أصول العالم” دليل قاطع على عبقرية الوعي البشري، ولكنه أيضاً شاهد على مأزقه القاتل. فتمسك العلماء بأن الذكاء البشري هو سقف المادة الأخير، هو في جوهره آلية دفاعية ضد “المجهول غير المادي”. فبينما يمتعنا لومينيه بجماليات الكون وفلسفة الوجود، يظل العلم الرسمي حذراً من تجاوز “البايولوجيا”، وذلك لأن القبول بذكاء غير بايولوجي هو قبول، وإن كان ضمنياً، بفتح الباب أمام الميتافيزيقا التي حاول العلم طويلاً التحرر من وصايتها.

أضف تعليق