ما بعد الميتابايولوجيا… القاتل المتسلسل بوصفه انحرافًا وجودياً (أنطولوجيًا)

ظلّت ظاهرة القتلة المتسلسلين تمثّل إحدى أكثر التحديات استعصاءً على التفسير داخل حقل علم الإجرام، ليس بسبب ندرتها، بل بسبب طبيعتها التي تقاوم النماذج التفسيرية السائدة. فهذه الظاهرة لا تندرج بسهولة ضمن أنماط العنف المعروفة، ولا يمكن ردّها إلى اختلالات نفسية تقليدية، ولا حتى إلى انحرافات اجتماعية قابلة للاحتواء ضمن سياقات الفقر أو التفكك الأسري أو الصدمات المبكرة.
لقد حاول علم الأحياء التطوري أن يُخضع هذا النمط من السلوك لمنطق الانتقاء الطبيعي، لكنه فشل في تفسيره تفسيرًا مقنعًا؛ إذ لا يمكن تبرير سلوك يقوم على القتل المتكرر والمنهجي والمحفوف بالمخاطر، ضمن إطار يسعى إلى البقاء والانتشار. فالقاتل المتسلسل لا يقتل من أجل مورد، ولا من أجل دفاع، ولا حتى في سياق تنافسي مباشر، بل يقتل خارج أي منطق بايولوجي قابل للتعليل. ثم جاءت الميتابايولوجيا لتوسّع الإطار التفسيري، عبر افتراض “الانعطافة التطورية الأولى”، التي أخرجت الإنسان من اقتصاد الطبيعة إلى فائض التمثّل، وفسّرت بذلك أشكالًا متعددة من العدوان البشري بوصفها ناتجة عن اختلال في العلاقة بين الإدراك والفعل. غير أن هذا التوسّع، على عمقه، ظلّ يحتفظ بحدود ضمنية؛ إذ يفترض أن العدوان، حتى في أشدّ صوره انحرافًا، يظلّ مرتبطًا بلحظة استثارة، أو بانفلات مؤقت من الضبط، أو بانزلاق سريع من “البرودة” إلى “السخونة”. وهنا تحديدًا، تظهر ظاهرة القتل المتسلسل بوصفها خرقًا مزدوجًا؛ فهي خرقٌ للبايولوجيا وللميتابايولوجيا معًا. فالقاتل المتسلسل لا يقتل في لحظة انفعال، بل في حالة برود ممتد. فهو لا ينفلت من الضبط، بل يُحكِم الضبط إلى أقصى حد، ولا يتورّط فجأة، بل يُخطّط ويراقب وينتظر، وقد يؤجّل فعله أيامًا أو أسابيع. إننا هنا، أمام سلوك لا يمكن وصفه بأنه “خروج عن الطور”، بل هو على العكس؛ هو دخول في طور آخر بالكامل. فإذا كان العدوان البشري “الطبيعي” يمكن فهمه بوصفه استجابةً لانهيار مؤقت في آليات الضبط، فإن القتل المتسلسل يكشف عن نمط مختلف يمكن تسميته بـ “العدوان البنيوي”. ففي هذا النمط، لا يكون العنف نتيجة خلل طارئ، بل يصبح جزءًا من بنية الفعل ذاته؛ إذ أنه ليس انفجارًا، بل هو نظام. وهذا ما يجعل القاتل المتسلسل أقرب، من الناحية الوظيفية، إلى كيان يعيد تنظيم علاقته بالفعل والنتيجة خارج المنظومة التي تحكم بقية البشر. فالقاتل المتسلسل إذاً لا يعاني من فائض تمثّل غير مضبوط فحسب، بل يبدو وكأنه قد أعاد توجيه هذا الفائض نحو نمط مغلق من التكرار، حيث يتحول القتل إلى “بروتوكول”، لا إلى “استجابة”.
إن الميتابايولوجيا تفترض أن فائض التمثّل يولّد اضطرابًا في التوازن بين ما يتم إدراكه وما يتم فعله، لكن هذا الاضطراب، في أغلب الحالات، يظلّ خاضعًا لضغط الواقع، ولآليات الكبح العصبي ولحسابات المخاطر. أما في حالة القاتل المتسلسل، فنحن أمام ظاهرة يتراجع فيها هذا الضغط، ليس لأن الواقع غائب، بل لأن الفاعل قد أعاد ترميز الواقع ذاته. فالضحية لا تُدرَك بوصفها كائنًا حيًا، بل بوصفها عنصرًا داخل سيناريو. والفعل لا يُختبر بوصفه جريمة، بل بوصفه إنجازًا ضمن بنية مغلقة. وهنا، لا يعود فائض التمثّل مجرد زيادة، بل يتحول إلى نظام بديل للإدراك. وهذا ما يكشف عن حدّ لم تكن الميتابايولوجيا قد تجاوزته بعد؛ وهو حد الانتقال من “اختلال التمثّل” إلى “استقلال التمثّل”.
إن ما تقترحه هذه المقالة هو أن ظاهرة القتل المتسلسل تفرض علينا الانتقال إلى مستوى تحليلي جديد يمكن تسميته بـ “ما بعد الميتابايولوجيا” (Beyond Metabiology) .ففي هذا المستوى، لا نكتفي بدراسة فائض التمثّل، بل ندرس الحالات التي ينفصل فيها التمثّل عن الواقع إلى درجة الاستقلال ويؤسس لنظام داخلي مكتفٍ بذاته ويعيد تعريف القيم والنتائج وحتى معنى الفعل ذاته. فالقاتل المتسلسل، وفق هذا التصور، ليس مجرد إنسان “أكثر عدوانية”، بل هو إنسان يعمل ضمن نظام إدراكي منفصل جزئيًا عن الاقتصاد المشترك للواقع؛ فهو لا ينتهك القواعد فحسب، بل يعمل وفق قواعد أخرى.
وبهذا المعنى، يمكن النظر إلى القاتل المتسلسل بوصفه حالة حدودية تكشف عن إمكانية انفصال الجهاز الإدراكي عن وظيفته التطورية وإمكانية تحوّل الفعل إلى غاية مكتفية بذاتها وإمكانية نشوء “أنظمة داخلية” تعمل بالتوازي مع الواقع دون أن تخضع له. وهنا، لا يعود السؤال: لماذا يقتل؟ بل يصبح: ضمن أي نظام إدراكي يصبح القتل فعلًا ممكنًا بهذا الشكل؟
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أن القتل المتسلسل لا يمثّل انحرافًا كميًا في العدوان البشري، بل انزياحًا نوعيًا في بنية العلاقة بين الإدراك والفعل. وإذا كانت البايولوجيا قد عجزت عن تفسيره، وإذا كانت الميتابايولوجيا قد وصلت عنده إلى حدّها، فإن الحاجة أصبحت ملحّة لصياغة إطار جديد يتعامل مع هذه الظاهرة بوصفها حالة يتوقف فيها الإنسان عن العمل ضمن اقتصاد الطبيعة، بل وحتى خارج اقتصاد التمثّل نفسه، ليدخل في اقتصاد ثالث مغلق ومكتفٍ بذاته. وهذا الاقتصاد الثالث، هو ما تدعو هذه المقالة الى تسميته بـ “ما بعد الميتابايولوجيا”.

أضف تعليق