
لم تكن أزمة التدين عبر التاريخ يوماً في نقص النصوص، بل في تضخم “الأنا” التي تحاول امتلاك النص وتأطير علاقة الانسان بالخالق. فحين نقول “الله أكبر”، فإننا لا نصف عظمة الله فحسب، بل نعلن “الحرب” على قيودنا الداخلية. فهي دعوة للمواجهة الشرسة مع النفس، التي تحاول دائماً أن تختزل المطلق في حدود رغباتها وضيق أفقها.
إن أولى مواجهاتنا مع النفس تبدأ حين تتوهم ذواتنا أنها أدركت الحقيقة المطلقة. فالنفس تميل بطبعها إلى الراحة والاعتداد بالرأي، فتصنع من تصوراتها عن الله “ديناً” وتصيغ من فهمها القاصر “منهاجاً تعبدياً”. وهنا يأتي “التكبير” ليهدم هذا الغرور؛ ليخبرنا أن ما تظن النفس أنها تمتلكه من يقين هو مجرد قطرة في محيط، وأن الله دائماً “أكبر” من أن تحدده عقولنا في تعريف، أو يصادره ما نذهب إليه في زاوية. فالنفس البشرية تميل للانغلاق خلف أسوار العرق أو الطبقة أو الانتماء الضيق، بحثاً عن أمان زائف وتفوق وهمي. و “الله أكبر” هي الصرخة التي تزلزل هذه الأسوار؛ فهي تضع الإنسان أمام مرآة الحقيقة ليرى أن كل انحياز لغير “الحق المطلق” هو تقهقر نحو السفاسف. فالمواجهة هنا تعني أن ترفض تقييد روحك بقيود طينية، وأن تدرك أن ارتقاءك نحو الكمال يقتضي أن تدوس بقدمك على كل كبرياء عرقي أو تفاخر تديني يحجب عنك وحدة الخلق.
إن “التكبير” ليس عبارة تقال في الصلاة ثم تنتهي، بل هو “منبه وجودي” يعمل على مدار الساعة. فالنفس تسحب الإنسان دائماً نحو الأسفل، نحو الصغائر، ونحو تضخيم الذات وإرضاء شهوة الظهور والسيطرة. ففي كل لحظة تشعر فيها أن نفسك تسيّرك نحو موقف دنيء أو فكر ضيق، فعليك أن تستحضر “الله أكبر”. فالمواجهة هنا تتطلب يقظة تامة، وذلك بأن لا تسمح لنفسك بأن تكون هي “الإله” الذي يملي عليك أحكامك وتصرفاتك.
إن أعظم انتصار في مواجهة النفس هو إيصالها إلى الاعتراف بعجزها المطلق. فمهما ارتقت الروح، ومهما صفت النفس، يبقى الله “أكبر”. وهذا الإدراك يمنع النفس من “التأله” أو ادعاء الكمال. فهو يبقي الإنسان في حالة “جوع روحي” دائم للارتقاء، فلا يركن إلى ما وصل إليه، بل يظل يطهر نفسه من شوائب الوهم، مدركاً أن طريقه نحو الله هو رحلة هدم مستمرة لكل فكرة يظنها النهاية.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن قول “الله أكبر” هو تمرين شاق على “التواضع الوجودي”، وذلك لأنه يتطلب شجاعة فائقة للوقوف ضد نزوات النفس وتصغير كبريائها أمام عظمة الخالق. ومن يضع “الله أكبر” نصب عينيه، لا يخشى العالم، بل يخشى أن تقيده نفسه بأغلالها فتحول بذلك دون أن يرتقي إلى الكمال الذي قُدّر له.
