طغيان الطغاة ظاهرة خارقة للمألوف

تظلّ شخصية الطاغية واحدةً من أكثر الظواهر استعصاءً على الفهم داخل الحقول المعرفية التقليدية، لا لأن هذه الحقول فشلت في تقديم أي تفسير لها، بل لأنها، في أفضل أحوالها، لا تقدّم سوى تفسيرات جزئية تضيء جوانب محددة دون أن تمسّ البنية العميقة التي تُنتج هذا النمط من السلوك. فكيف يمكن، ضمن الأطر السايكولوجية والسوسيولوجية والجيوسياسية المعتادة، أن نفهم قراراتٍ كبرى اتخذها قادة مثل فرعون في النص القرآني، أو بينيتو موسوليني Benito Mussolini في التاريخ الحديث، أو دونالد ترمب Donald Trump في السياق المعاصر، وهي قرارات لا تبدو، في كثير من الأحيان، منسجمة مع ما يُفترض أنه “عقل سياسي رشيد” يعمل وفق حسابات الربح والخسارة؟
لقد قدّمت السايكولوجيا السياسية، بلا شك، أدوات مهمة لفهم بعض أبعاد هذه الشخصيات، من قبيل النرجسية والبارانويا والحاجة إلى الهيمنة، كما حاولت المقاربات السوسيولوجية ردّ هذه الظواهر إلى سياقاتها التاريخية والبنيوية، غير أن هذه التفسيرات، على أهميتها، تظل عاجزة عن تفسير “الانفلات” الذي يميز سلوك الطاغية؛ ذلك الانفلات الذي لا يتمثل فقط في شدة العنف أو حجم المخاطرة، بل في نمط إدراكي يبدو وكأنه يعمل خارج حدود الضبط التنبؤي المعتاد للعقل البشري.
وهنا تحديدًا، لا يصبح المطلوب هو نبذ هذه المقاربات، بل تجاوز حدودها، عبر إدخال مستوى تحليلي أعمق يمكن تسميته، بتحفّظ منهجي، بـ “باراسايكولوجيا الطغاة”. وليس المقصود بهذا المصطلح الإحالة إلى ظواهر غيبية أو قوى خارقة بالمعنى الشعبي، بل الإشارة إلى منطقة حدّية في عمل الجهاز الإدراكي، حيث تتعطل آليات الضبط التي تحكم العلاقة بين التمثّل والواقع.
ففي ضوء نماذج الإدراك المعاصرة، وعلى رأسها نموذج المعالجة التنبؤية (predictive processing)، يمكن القول بأن الدماغ لا يكتفي باستقبال الواقع، بل يقوم بتوليد نماذج تنبؤية عنه، ويتم تعديل هذه النماذج باستمرار عبر تغذية راجعة Feedback من العالم الخارجي. غير أن ما يميز بعض الشخصيات السلطوية القصوى هو احتمال حدوث خلل في هذا التوازن، بحيث تكتسب النماذج الداخلية درجة عالية من “اليقين” تجعلها أقل قابلية للتصحيح، حتى في مواجهة معطيات واقعية مناقضة.
وفي هذه الحالة، لا يعود القرار السياسي استجابةً لمعطيات العالم، بل يصبح إسقاطًا لنموذج إدراكي داخلي مغلق على ذاته. وهنا تحديدًا، يمكن فهم الطاغية لا بوصفه كائنًا “غير مفهوم”، بل بوصفه حالة قصوى من ظاهرة إنسانية عامة، هي ظاهرة فائض التمثّل كما تفسره الميتابايولوجيا عبر مفهوم الانعطافة التطورية الأولى.
فالإنسان، ومنذ خروجه على “اقتصاد الطبيعة” إلى “اقتصاد التمثّل”، لم يعد يكتفي ببناء نماذج عن العالم، بل أصبح قادرًا على العيش داخل هذه النماذج حتى حين تنفصل عن الواقع. غير أن هذا الانفصال، الذي يظل محدودًا لدى السواد الأعظم من البشر بفعل آليات التصحيح الاجتماعي والإدراكي، وبسبب مما يُشيعه الخوف من اليد الضاربة للقانون ممثلة بسلطته الإنفاذية، قد يبلغ لدى الطاغية درجةً قصوى، يتحول معها “التمثّل” إلى بديل عن الواقع، لا مجرد أداة لفهمه.
ومن هنا، لا تعود “باراسايكولوجيا الطغاة” علماً بديلاً عن السايكولوجيا، بل امتدادًا لها في مناطقها الحدّية؛ أي دراسة تلك الحالات التي يتجاوز فيها الجهاز الإدراكي شروط استقراره، وينفلت فيها التمثّل من قيوده التنظيمية، ليعيد تشكيل الواقع وفق منطقه الخاص. وبهذا المعنى، فإن الطاغية لا يقف خارج الإنسان، بل يكشف عن أحد أقصى إمكاناته؛ لا بوصفه انحرافًا عرضيًا، بل بوصفه احتمالًا كامنًا في البنية ذاتها التي جعلت الإنسان كائنًا مفكرًا وقادرًا في الوقت نفسه، على أن يُضلّل نفسه إلى الحد الذي يعيد فيه كتابة العالم وفق صورته الخاصة.

أضف تعليق