في معنى “يبحث” في قولِه تعالى “فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ”

تشدد مدارس تفسير القرآن، محقةً، على وجوبِ إتقان اللغةِ العربية كشرطٍ أساس يتعذر بدونه تدبُّرُ آياتِه. كما وتضع هذه المدارس كلُّها جميعاً شروطاً أخرى لا خلافَ على الإطلاق في كونِها من لوازمِ إتقان هذا التدبر. غير أنَّ ما قد فات هذه المدارسَ هو أن يُستعانَ بما تيسَّر الحصولُ عليه من قديمِ لهجاتِ العرب وحديثِها. فكثيرٌ من مفرداتِ القرآنِ العظيم لا تفصح عن كاملِ مجالِها الدلالي إلا إذا ما أُخِذَ بنظرِ الاعتبار بعضٌ من طيفِها البياني كما تجلِّيه بعضُ هذه اللهجات قديمها أو حديثها. فإقصاءُ هذه اللهجات، بدافعِ الحرصِ على لسانِ القرآن العربي المبين، يتعارضُ مع ما ينبغي أن يتحلى به مفسر القرآن من “سعةِ صدرٍ معرفية” مقيدة بحذرٍ لا مناص منه في التعاملِ مع هذه اللهجات على اختلافِ أزمانِها. وتكفل لنا الدراسةُ التاريخية لمدارسِ تفسيرِ القرآنِ العظيم أن نخلص، بهذا الخصوص، إلى نتيجةٍ مفادها أنَّ المفسِّرين قد استعانوا ببعضِ لهجاتِ قدامى العرب لسبرِ أغوار المجال الدلالي لبعضِ كلماتِ القرآن.
إن هذه المقالة تدعو إلى إيلاء اللهجات العربية غير الفصحى في هذا الزمان بعضاً مما تستحقه من تقديرٍ معرفي، وذلك لما تمثله من مراحل تطورية اجتازتها الكلماتُ العربية في رحلتِها عبر الزمان بحمولةٍ دلالية تذكَِر بما كانت عليه قبل شروعِها بهذه الرحلة. ولنأخذ على سبيلِ المثال كلمة “يبحث” في قولِه تعالى: (فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ) (من 31 المائدة). فكلمة “يبحث”، وفقاً للمعنى المتعارف عليه، لا تنتهي بنا إلى مدلولٍ لها يعينُنا على تبيُّن المجال الدلالي لقولِ اللهِ تعالى هذا. ولكننا إن استعنَّا باللهجة العربية المصرية، فسوف نتمكن من تحديدِ معناها، وبما يعين على تبيُّنِ هذا المجال الدلالي. فكلمة “يفحت” في هذه اللهجة تعني “يحفر”. وأصل كلمة “يفحت” هو الكلمةُ العربية الفصحى “يبحث”. ولقد تعرَّضت هذه الكلمةُ العربية الأصيلة، عبر جانبٍ من رحلتِها التطورية، إلى نحتٍ في مبناها صيَّرها بهذا المبنى الجديد (يفحت). وبذلك يكون المجال الدلالي لقولِ اللهِ تعالى “يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ” هو “يحفر في الأرض”.

أضف تعليق