من ذرات الغبار إلى اكتشاف النجوم… الإنسان حين ينتظر مبررًا ليكون

يمكن تناول هذا النمط من السلوك البشري لا بوصفه مفارقة نفسية سطحية، بل بوصفه ظاهرة بنيوية عميقة تكشف عن اختلال في العلاقة بين “القدرة” و”التحفيز”، أو بتعبير أدق: بين ما يستطيع الإنسان أن يكونه، وما يدفعه فعليًا لأن يكونه. فهذا الإنسان الذي يبدو، في حالته الاعتيادية، مستسلمًا لثقل الخمول، ليس فاقدًا للطاقة ولا عاجزًا عن الفعل بالمعنى الفيزيولوجي. والدليل على ذلك أنه، عند توفر محفّز مناسب، ينقلب انقلابًا حادًا يكاد يرقى إلى ما يشبه التحول الميتامورفوسي؛ إذ ينتقل من حالة من الانكفاء شبه التام إلى حالة من الانخراط الكثيف، بل والإبداع المتدفق. وهذا التحول لا يمكن اختزاله في تفسيرات مرضية جاهزة من قبيل اضطراب “ثنائي القطب” Bipolar disorder، لأن ما نشهده هنا ليس تذبذبًا داخليًا عفويًا في المزاج، بل استجابة مشروطة بوجود مثير خارجي محدد.
ما الذي يحدث إذاً؟
إن هذا السلوك، في ضوء المقاربة الميتابايولوجية، يمكن قراءته بوصفه أحد تجليات “فائض التمثّل” الذي أنتجته الانعطافة التطورية الأولى. فالإنسان، وبخلاف الكائنات الأخرى، لم يعد يعمل ضمن “اقتصاد الطبيعة” الذي يربط الفعل مباشرة بالحاجة، بل أصبح يعمل ضمن “اقتصاد تمثّلي” يجعل الفعل مشروطًا ليس بالحاجة الفعلية، بل بمدى “قابلية الفعل لأن يُمثَّل ذهنيًا بوصفه ذي معنى”.
وبعبارة أخرى، فإن الإنسان لا يتحرك لأنه قادر، بل لأنه “مقتنع تمثّليًا” بجدوى الحركة. وهنا يظهر جوهر المشكلة. فحين يغيب هذا التمثل المحفّز، لا يعود هناك ما يدفع الجهاز الإدراكي إلى تعبئة الطاقة الكامنة، حتى لو كانت الحاجة الموضوعية قائمة. وفي هذه الحالة، لا يكون الخمول عجزًا، بل “اقتصادًا تمثّليًا متطرفًا”؛ أي امتناعًا عن الفعل لأن كلفته التمثّلية لا تجد ما يبررها.
لكن ما إن يظهر محفّز خارجي قادر على إعادة تشكيل المشهد التمثّلي، حتى يحدث ما يشبه “إعادة ضبط” للنظام بأكمله. ففجأة، يصبح الفعل ذا معنى، بل وذا جاذبية عالية، فيُفرج الجهاز الإدراكي عن طاقة كانت كامنة، لا لغيابها، بل لغياب ما يستدعيها. وهنا يتحول الإنسان ذاته إلى كيان آخر، وذلك ليس لأنه اكتسب طاقة جديدة، بل لأنه استعاد القدرة على “تمثيل الفعل بوصفه جديرًا بالتحقق”. وهذا ما يفسر ذلك التناقض الظاهري المتبدي في إنسان يراقب ذرات الغبار في شعاع ضوء، غارقًا في تمثّلاته، إلى آخر يعيد تشكيل الكون عبر اكتشافاته. وكلاهما ليسا شخصين مختلفين، بل حالتين تمثّليتين مختلفتين داخل الجهاز ذاته.
ومن منظور علوم الإدراك الحديثة، يمكن تعزيز هذا الطرح بالرجوع إلى نماذج المعالجة التنبؤية Predictive Processing، حيث يُفهم الدماغ بوصفه نظامًا تنبؤيًا لا يستجيب للواقع مباشرة، بل لما “يتوقعه” عن هذا الواقع. فإذا كان الفعل لا يُتوقَّع أن يحقق مردودًا ذا قيمة (سواء معرفيًا أو عاطفيًا أو رمزيًا)، فإن النظام يميل إلى تقليل الاستثمار فيه. أما إذا تغيّر التوقع، فإن السلوك يتغير تبعًا لذلك، أحيانًا بصورة دراماتيكية.
وبهذا المعنى، فإن “الكسل” ليس نقصًا في الإرادة، بل تعبيرًا عن فشل في توليد نموذج تنبؤي محفّز. كما أن “الاندفاع الإبداعي” ليس فضيلة أخلاقية خالصة، بل نتيجة لنجاح هذا النموذج في تعبئة الموارد. ولعل ما يجعل هذه الظاهرة أكثر إثارة هو أنها تكشف عن هشاشة فكرة “الذات المستقرة”. فالإنسان، في هذا السياق، ليس جوهرًا ثابتًا يمتلك صفات محددة (نشيط/كسول)، بل هو نظام ديناميكي يتغير تبعًا للبنية التمثّلية التي يعمل ضمنها. فهو لا يفتقر إلى الطاقة، بل يفتقر إلى “مبررات تفعيلها”.
ومن هنا، يمكن إعادة صياغة السؤال كله. فالسؤال ليس لماذا يكسل الإنسان؟ ولكن لماذا يفشل، في كثير من الأحيان، في إقناع نفسه بأن الفعل يستحق أن يُفعل؟ إن الإجابة على هذا السؤال لا تكمن في الأخلاق ولا في المرض، بل في فهم أعمق للبنية التمثّلية التي تحكم علاقتنا بالعالم. وربما، في هذا الفهم، يكمن مفتاح الانتقال من إنسان يراقب الغبار إلى آخر يكتشف مجرات جديدة.

أضف تعليق