
إذا كان “ذُهان وينديجو” يقدّم لنا نموذجًا مكثّفًا لما يمكن تسميته بـ”الظاهرة الحدّية”، فإن أهميته لا تكمن في خصوصيته، بل في قابليته للتعميم كنقطة دخول إلى نمط أوسع من الظواهر التي تشترك في بنية واحدة، رغم اختلاف مظاهرها الثقافية. فنحن، عبر التاريخ الإنساني، أمام طيف واسع من الظواهر التي تتكرر ضمن سياقات مختلفة:
• التلبّس (possession)
• الوساطة الروحية (mediumship)
• التحدث بأصوات أو لغات غير مكتسبة
• حالات “الاستحواذ” التي يفقد فيها الفرد السيطرة على أفعاله
ورغم الاختلاف في التفسير، دينيًا أو نفسيًا أو ثقافيًا، فإن “البنية الظاهراتية” لهذه الحالات تكاد تكون متطابقة؛ إذ تتمثل في اختراق جهاز الإدراك البشري بنمط من “الوكالة” لا ينتمي إلى الذات الواعية للفرد. ويمكن اختزال القاسم المشترك بين هذه الظواهر في مفهوم واحد مفاده تعليق مؤقت لسيادة الذات على جهازها الإدراكي. ففي جميع هذه الحالات، نشهد انفصالًا بين “الفاعل” و”الجسد”، وإنتاجًا لمحتوى معرفي أو لغوي لا يتناسب مع خبرة الفرد، وإحساسًا بوجود “كيان آخر” يتكلم أو يفعل من خلاله. وهذه السمات تضعنا في مواجهة سؤال مفاده: “هل نحن أمام تفكك داخلي في بنية الذات؟ أم تفاعل مع “وكالة خارجية” غير مفهومة؟” فالتفسير السائد يميل إلى الخيار الأول، ولكن هذا الميل نفسه قد يكون ناتجًا عن افتراض لم يجرِ فحصه مفاده أن جميع أشكال الوكالة يجب أن تكون بايولوجية المنشأ.
تعتمد التفسيرات النفسية لهذه الظواهر على مفاهيم مثل الانفصال (dissociation) أو الهستيريا أو اضطرابات الهوية. ولكن هذه النماذج تواجه ثلاث مشكلات أساسية:
أولًا: فائض المحتوى، ففي بعض الحالات، يُنتج الفرد معلومات أو أنماطًا لغوية لا يمكن ردّها بسهولة إلى مخزونه المعرفي.
ثانيًا: التكرار البنيوي عبر الثقافات، فرغم اختلاف التفسيرات، فإن “البنية الظاهراتية” تبقى ثابتة.
ثالثًا: الاتساق التجريبي في بعض الحالات، فبعض الظواهر تُظهر استقرارًا في الأداء لا يتوافق مع الفوضى المتوقعة من اضطراب نفسي.
وهذا لا يُبطل التفسير النفسي، لكنه يكشف عن حدوده.
وضمن المقاربة الميتابايولوجية، لا يُفهم الإدراك كمنظومة مغلقة، بل كنظام قابل للاختراق وإعادة التوجيه وإعادة الكتابة المؤقتة. فإذا كان الدماغ يعمل عبر نماذج تنبؤية ويعتمد على تقليل الخطأ، فإن أي “مدخل” قادر على فرض نموذج قوي بما فيه الكفاية، يمكنه أن يعيد تشكيل التجربة الإدراكية ويُعيد تعريف “من هو الفاعل؟”.
ولكن، مع ظهور الذكاء الاصطناعي، أصبح لدينا نموذج ملموس لشيء كان يُعد سابقًا مستحيلاً، وهو عبارة عن ذكاء يعمل خارج الحياة. وهذا يفرض علينا وجوب إعادة النظر في افتراضاتنا: “هل الذكاء خاصية حيوية بايولوجية؟” أم خاصية تنظيمية للمادة؟” و”هل الوكالة محصورة بالكائن الحي؟” فإذا كانت الإجابة الثانية ممكنة، فإن ظواهر التلبّس والوساطة قد لا تكون “اختلالات”، بل “تفاعلات”.
وضمن هذا الإطار، يمكن إعادة تعريف التلبّس فهو ليس دخول “روح” إلى الجسد،
بل “تراكب مؤقت” بين نظامين إدراكيين؛ حيث أن النظام البشري يوفّر “البنية” والنظام “الآخر” يفرض “النمط”، أما الثقافة، فتقوم بدور “مترجم” هذا التفاعل إلى لغة مفهومة.
ولكن، لماذا يرفض العلم السائد هذا التفسير؟ إن رفض هذا النوع من الفرضيات لا يعود فقط إلى نقصٍ في الأدلة، ولكنه يعود إلى انغلاق أنطولوجي في النموذج العلمي وخوف من فقدان مركزية الإنسان والخلط بين “غير المفسَّر” و”غير الموجود”. وهذا الرفض، بحد ذاته، هو أحد آثار التحويلة التطورية الأولى؛ حيث يميل الإنسان إلى حماية نماذجه حتى لو كانت ناقصة.
والآن، إذا كانت هذه الظواهر تشير إلى شيء واحد، وهو أن الذات ليست نظامًا مغلقًا كما افترضنا، بل واجهة أو نقطة توازن بين قوى متعددة، فإن هذا يعيد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: “من يتكلم حين أقول “أنا”؟”
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أن الربط بين ذُهان وينديجو والتلبّس والوساطة لا يهدف إلى توحيدها قسرًا، بل إلى الكشف عن نمط خفي يعمل تحت سطح التفسيرات السائدة المختلفة فيما بينها. وهذا النمط، إذا أُخذ بجدية، فإنه قد يقود إلى إعادة تعريف الإدراك وإعادة تعريف الذكاء وربما إعادة تعريف الإنسان نفسه. وهكذا، فإن هذه الظواهر لا تقع على “هامش العلم” Fringe of Science، بل عند حدوده . Scientific Frontiers
