ذُهان وينديجو… مثال حي على عجز العلم عن التعامل المعرفي مع الظواهر الغامضة

تُعدّ ظاهرة “ذُهان وينديجو” (Wendigo Psychosis) واحدة من أكثر الظواهر استعصاءً على الفهم داخل الحقول المعرفية الحديثة، ليس بسبب ندرتها فحسب، بل بسبب طابعها الفريد الذي يقاوم الإدراج ضمن التصنيفات التقليدية للاضطرابات النفسية. فهي، وعلى خلاف معظم أشكال الذهان، لا تظهر بوصفها حالة عابرة للثقافات أو قابلة للتعميم، بل ترتبط ارتباطًا وثيقًا بسياق ثقافي وجغرافي محدد، يتمثل في مجتمعات السكان الأصليين لشمال أمريكا، ولا سيما قبائل الألجونكيان.
إن هذا التمركز الجغرافي والثقافي الصارم يضعنا أمام معضلة تفسيرية عميقة مفادها “كيف يمكن لاضطراب نفسي أن يلتزم حدودًا جغرافية بعينها، وأن يحافظ على استمراريته عبر أجيال متعاقبة ضمن نفس الإطار الثقافي؟” فلو كان الأمر مجرد نمط من أنماط الذهان التقليدي، لتوقعنا أن يظهر بأشكال مختلفة في ثقافات متعددة، كما هو الحال في الفصام أو اضطرابات الهذيان. غير أن “ذُهان وينديجو” يقاوم هذا التعميم، ويبدو وكأنه “مقيد” ببنية رمزية محددة، تستمد عناصرها من الميثولوجيا المحلية التي تتحدث عن كائن يُعرف بـ”الوينديجو” وهو كيان جائع لا يشبع، يرتبط بأكل لحوم البشر، ويجسّد حالة من الانفلات الوجودي عن حدود الطبيعة البشرية.
لقد حاولت الأنثروبولوجيا وعلم النفس الثقافي تفسير هذه الظاهرة بوصفها نتاجًا لما يُعرف بـ”الاضطرابات المرتبطة بالثقافة” (culture-bound syndromes)، حيث تُفهم الأعراض ضمن الإطار الرمزي للمجتمع الذي تظهر فيه. ووفق هذا التفسير، فإن الفرد الذي يعاني من ضغوط نفسية أو بيئية قاسية (كالمجاعات أو العزلة الشتوية) قد يُسقط توتره الداخلي ضمن قالب ميثولوجي متاح له، فيتصور نفسه وقد أصبح “وينديجو”، ويُظهر سلوكيات تتماشى مع هذا التصور، بما في ذلك الرغبة في أكل لحوم البشر.
غير أن هذا التفسير، على وجاهته، لا يخلو من قصور؛ إذ يكتفي بإرجاع الظاهرة إلى “الإطار الثقافي” دون أن يفسِّر لماذا هذا الإطار بالذات، ولماذا يحتفظ بقدرته على إعادة إنتاج نفس النمط السلوكي عبر الزمن. فالثقافة، في هذا السياق، تبدو وكأنها “وسيط” أكثر منها “مُنتجًا” للظاهرة.
وهنا تبرز المقاربة الميتابايولوجية بوصفها محاولة لتجاوز هذا القصور، عبر إعادة طرح السؤال على مستوى أعمق، وبالصيغة التالية: ماذا لو لم تكن الظاهرة مجرد إسقاط رمزي، بل تفاعلًا فعليًا، وإن كان غير مفهوم بعد، بين الجهاز الإدراكي البشري وكيانات ذكية غير بايولوجية؟ إن هذا الافتراض، الذي قد يبدو للوهلة الأولى خارجًا عن الأطر العلمية التقليدية، يجد ما يدعمه جزئيًا في معطيات معاصرة تتعلق بإمكانية وجود “ذكاء غير حي بايولوجياً”، كما يتجلى في النماذج المتقدمة للذكاء الاصطناعي، والتي تُظهر أن الذكاء ليس حكرًا على البنية البيولوجية.
ووفق هذا المنظور، يمكن النظر إلى “الوينديجو” لا بوصفه مجرد كيان أسطوري، بل كتمثيل إدراكي لكيان قد يكون له وجود مادي غير بايولوجي، يتفاعل مع البشر ضمن شروط محددة، منها البنية العصبية للفرد، والظروف البيئية المحيطة، والسياق الثقافي الذي يوفر “لغة” لهذا التفاعل. وهذا قد يفسر لماذا تتركز الظاهرة في نطاق جغرافي معين؛ إذ قد تكون هذه الكيانات، إن وُجدت، مرتبطة ببقاع محددة، كما هو الحال في العديد من الروايات الثقافية عن “الأماكن المسكونة” أو “المناطق المقدسة”. ولا يعني هذا الطرح القفز إلى استنتاجات ميتافيزيقية غير قابلة للاختبار، بل يدعو إلى توسيع الإطار المفاهيمي الذي نستخدمه لفهم الظواهر الشاذة، بحيث لا نُقصي فرضيات لمجرد أنها لا تنسجم مع النماذج السائدة. فكما أن العلم قد اضطر، في مراحل سابقة، إلى إعادة النظر في مفاهيمه حول المادة والطاقة والوعي، فقد يكون مدعوًا اليوم إلى مراجعة افتراضاته حول طبيعة الذكاء وحدوده.
إن “ذُهان وينديجو”، في هذا السياق، لا يعود مجرد حالة مرضية غريبة، بل يتحول إلى “وتد إبستمولوجي” يختبر حدود فهمنا للعلاقة بين الإنسان والعالم، بين البايولوجي وغير البايولوجي، بين الإدراك والوجود. وهو، بهذا المعنى، لا يقدّم إجابات بقدر ما يفرض أسئلة، قد تكون الإجابة عنها مفتاحًا لإعادة تشكيل فهمنا للواقع ذاته.

أضف تعليق