
تبدأ الحكاية من مشهد مهيب في رحاب الإسكندرية العتيقة؛ حيث يتحرك الذاكرون في حلقة ذكر الشيخ ياقوت العرش الحبشي كأغصان الشجر في ريح هادئة. وفي قلب هذا السكون الصاخب، تخترق حمامةٌ الصفوف، لا لتهبط على مئذنة أو شرفة، بل لتستقر على كتف الشيخ. فلم تكن مجرد طائر يبحث عن راحة، بل كانت “صاحب حاجة” جاء يرفع ظلامته بلغة لا يفك شفرتها إلا قلبٌ صُقل بالصفاء حتى صار مرآةً للكون.
ففي هذه الحكاية، يُنصت الشيخ لسرّ الحمامة التي شكت له رجلاً حبس فرخها. وهنا نتوقف لنحلل جوهر الكرامة؛ فهي ليست مجرد ظاهرة “خارقة للعادة”، بل هي تجلٍّ لما يمكن تسميته بـ “التواصل الوجداني العابر للأنواع”. إن “منطق الطير” الذي أوتيه هؤلاء الصالحون ليس نطقاً بالحروف أو الأصوات، بل هو “تردد شعوري” تلتقطه القلوب التي تحررت من ضجيج الأنا. لقد تحول الولي هنا إلى “قاضٍ كوني”، يمتد سلطانه الأخلاقي لإنصاف طائر، مؤكداً أن “الولاية” ليست انعزالاً عن العالم، بل هي انغماس في آلامه لرفعها عنه.
وبين ياقوت العرش والمنبع النبوي، نجد في تاريخ التصوف خيطاً نورانياً يربط الإنسان بسائر الكائنات. فنجد سيدي أحمد الرفاعي، الذي كان يرى في الحيوان المريض ابتلاءً لرحمة الإنسان، ويقف لخدمة كلب أجرب بوقار من يخدم شيخاً. ونجد إبراهيم بن أدهم وفكرة “الاستئناس بالوحش”؛ حيث تضع السباع مخالبها أرضاً في حضرة من سكنت نفسه. هذه الحكايا تؤسس لـ “وعي بيئي قديم”؛ وعي لا يرى في الطبيعة مجرد “مورد للمنفعة”، بل يراها مجتمعاً من الأرواح المسبِّحة التي تستحق التقديس والرحمة. إن لجوء الحيوان للصالحين هو انجذاب غريزي نحو “النور” الذي لا يحمل غدراً ولا قسوة، وهو احتجاج صامت ضد توحش “الإنسان”.
تصل رحلتنا الاستقصائية إلى ذروتها بالرجوع إلى الأصل، فكل كرامات الأولياء ليست إلا قبساً من مشكاة النبوة. ففي السيرة النبوية، نجد الجذور الأولى لهذا “الأمان الكوني”:
• دموع الجمل: ذلك المشهد الذي اهتزت له القلوب حين ذرف الجمل دموعه بين يدي النبي محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، يشكو “الجهد والجوع”. لقد كان الجمل يدرك أن في هذا الوجود قلباً يتسع لأنين الصامتين.
• شهادة الضب: التي لم تكن مجرد إعجاز لغوي لإثبات النبوة، بل كانت إعلاناً أن الكون، بجماده وحيوانه، يعرف مرتبة “الرحمة المهداة” وينحاز إليها.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن شكوى الحيوان من “الإنسان” إلى “الإنسان الكامل” (النبي محمد صلى الله تعالى عليه وسلم أو الولي) هي أسمى صرخة احتجاج ضد التوحش البشري. إن حكاية ياقوت العرش مع حمامته، والنبي محمد صلى الله تعالى عليه وسلم مع جَملِه، ترسم لنا دستوراً أخلاقياً بيئياً متكاملاً: أن رتبة “الخلافة في الأرض” تعني أن يكون الإنسان جسراً تعبر عليه الرحمة السماوية لتشمل كل ذي كبد رطبة. لقد كان ياقوت العرش يدرك أن تسبيحه لا يكتمل إلا إذا نامت الحمامة آمنة على فرخها، وأن الطريق إلى الله يمرّ عبر إنصاف المظلومين، حتى لو كانوا من ذوات الريش.
