
بعد مرور قرابة عقد ونصف على الأمواج الارتدادية لما عُرف بـ “الربيع العربي”، يبدو المشهد في الأقطار المستهدفة أكثر قتامة من أي وقت مضى. إن مراجعة كتاب “واجه واخفِ” “Confront and Conceal” والسياسات التي وثقها، تكشف عن خلل بنيوي في العقل الاستراتيجي الأمريكي؛ خللٌ تمثل في استبدال الواقعية السياسية بـ “تفكير رغبي” (Wishful Thinking)، واعتماد هندسة اجتماعية وسياسية قفزت فوق حقائق التاريخ والجغرافيا والاجتماع.
لم يكن التدخل الأمريكي في أحداث 2011 وليد صدفة، بل كان نتاج اعتماد مفرط على دراسات أُعدت في “غرف مغلقة” ومعاهد استراتيجية غلب عليها الطابع الإيديولوجي التبشيري بالديمقراطية الغربية. فلقد تجاهلت إدارة أوباما عمداً تقارير السلك الدبلوماسي والخبراء الميدانيين الذين حذروا من مغبة انهيار مؤسسات الدولة الوطنية. وقد جرى التعامل مع الشعوب العربية كمختبر لتجارب “التحول الديمقراطي السريع”، دون أدنى اعتبار لخصوصيات البنى الاجتماعية أو غياب البدائل المؤسسية الجاهزة.
فلقد كشف “ديفيد سانجر” في كتابه هذا عن ولع الإدارة الأمريكية باستخدام القوات الخاصة والطائرات المسيرة والهجمات السيبرانية. فهذه العمليات، رغم تسميتها بـ “الجراحية”، كانت تعمل في سياق سياسي “محرض”. فلقد تبنت واشنطن سياسات استباقية وتحريضية ساهمت في خلخلة الاستقرار، ثم ما لبثت أن مارست “سوء توفيق” مذهل في سياسات ما بعد التغيير. ولم تكن النتيجة حرية أو رخاءً، بل كانت “فراغاً استراتيجياً” ملأته الجماعات المتطرفة والحروب الأهلية، مما يثبت أن هذه السياسات لم تختلف عن “المحافظين الجدد” إلا في الوسيلة، بينما ظلت الغاية هي الهيمنة وتغيير الأنظمة دون تحمل مسؤولية النتائج.
إن واقع الحال اليوم يشهد أن الأمور “ازدادت سوءاً على نحو غير مسبوق”. وبالنظر إلى مآلات الدول التي طالتها “هندسة التغيير”، نجد:
1. تفتت النسيج المجتمعي: تحول الصراع السياسي إلى صراعات هوية وطائفية لم تكن معهودة بهذا التوحش.
2. الانهيار الاقتصادي: دفعت الشعوب ثمن التفكير الرغبي لواشنطن عبر انهيار العملات الوطنية وفقدان الأمن الغذائي.
3. دولة المؤسسات المفقودة: بدلاً من التحول الديمقراطي، وجدنا أنفسنا أمام دول فاشلة أو أنظمة تكافح لمجرد البقاء، مما يثبت أن الحسابات الأمريكية كانت تفتقر للحد الأدنى من الدقة.
تكمن الخطيئة الكبرى لهذه السياسات الجاهلة في تعمد “تجاهل” دراسات رصينة دعت إلى الحذر والتدرج. فلقد اختارت الإدارة الأمريكية “القفز في الظلام”، مدفوعة بخيال معاهد بحثية تقتات على تمويل أصحاب الأجندات السياسية، ومُعرِضة عن نصائح رجال المخابرات الميدانيين الذين لمسوا بأيديهم تعقيدات الأرض. وهذا “الإعراض الممنهج” يحول الإخفاق من مجرد “خطأ في التقدير” إلى “خطيئة استراتيجية” مكتملة الأركان.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن سياسات “المواجهة والإخفاء” التي اتبعها أوباما لم تكن سوى الوجه الآخر للعملة التدخلية الأمريكية التقليدية. لقد أثبتت التجربة أن الشعوب لم تجنِ من هذه الهندسة الفاشلة سوى الدمار، وأن التغيير الذي يُبنى على أوهام الخارج وأبحاث “المستشرقين الجدد” لا يمكن أن يثمر إلا “متوالية هندسية” من الكوارث.إن 15 عاماً كانت كافية لتكشف أن “الربيع العربي المزعوم” لم يكن سوى خريف طويل، وأن الحياد والموضوعية غابا عن صانع القرار الأمريكي ليحل محلهما ارتجال دفع ثمنه ملايين الأبرياء.
