
لماذا صمتت أصوات الإصلاح منذ مقتل آريوس عام ٣٣٦م وحتى تعليق مارتن لوثر لرسائله الشهيرة؟ تكمن الإجابة في “مأسسة التدين”. فبعد مجمع نيقية، تحولت الكنيسة من جماعة روحية إلى سلطة سياسية مركزية مطلقة تحالفت مع الإمبراطورية الرومانية. فسُحقت الحركات “الهرطقية”، وفقاً لمنظور الكنيسة آنذاك، بقوة قانون روما وبسيف الامبراطور. فظلت القراءة والكتابة والترجمة حكراً على طبقة الإكليروس، مما منع أي مراجعة نقدية للنصوص الدينية من قبل العامة. فلم تكن الطبقة الوسطى (البورجوازية) قد ولدت بعد لتطالب باستقلالها عن التبعية الإقطاعية والكنسية. وبينما ركز المؤرخون التقليديون على “صكوك الغفران” كشرارة وحيدة لثورة لوثر الإصلاحية، فإنهم قد اغفلوا الزلزال المعرفي الذي أحدثه سقوط الأندلس عام ١٤٩٢م. فبعد سقوط غرناطة، لم ترحل الأجساد فقط، بل رحلت معها مكتبات وأفكار كانت قد تشبعت بالعقلانية الرشدية (نسبة لابن رشد). فلقد فرّ العديد من الفلاسفة والمفكرين الذين عاشوا في بيئة التسامح الأندلسية نحو الدوقيات الأوروبية المستقلة، حاملين معهم بذور النقد الفلسفي.
والآن، ما هو تأثير الفلسفة العربية والمدرسية الرشدية؟ لقد مهّد المفكرون العرب الطريق للإصلاح الديني عبر مسارين:
- تحرير العقل من “السلطة الأسلافية”؛ حيث قدمت “الرشدية اللاتينية” لأوروبا مفهوم “الحقيقة المزدوجة”، التي تفصل بين النقل والعقل، مما أعطى المصلحين لاحقاً الجرأة للقول إن الفرد يمكنه فهم النص الديني دون وسيط كنسي.
- النقد النصي: تأثر المصلحون بالمنهجية العلمية التي اتبعها علماء المسلمين في نقد المتون والأسانيد، مما انعكس على محاولات لوثر وكالفن في إعادة “قراءة العهد القديم والعهد الجديد” بعيداً عن التفسيرات البابوية المتراكمة.
وليس من قبيل المصادفة أن تبدأ حركة الإصلاح الألماني بعد ٢٥ عاماً فقط من سقوط الأندلس عام 1492م. فهذه المدة من الزمن كانت كافية لكي تستقر النخب الفكرية المهاجرة في الجامعات الأوروبية الشمالية وتنتشر ترجمات الكتب العربية التي تدعو لنبذ الوساطة بين الخالق والمخلوق وتختمر فكرة “الدولة القومية” لدى الأمراء الألمان الذين ضاقوا ذرعاً بتبعية روما، مستلهمين نموذج الإدارة المستقلة التي شاهدوها في الممالك التي احتكت بالحضارة العربية في الأندلس.
ولكن ما هي الأسباب الجوهرية التي أدت الى ظهور حركة الإصلاح الديني في أوروبا بعد توقفها إثر مقتل آريوس؟ - الاحتكاك بالرشدية والعلوم العربية، الأمر الذي أدى إلى ظهور الحركة الإنسانية (Humanism) التي وضعت الإنسان وعقله في المركز.
- فساد المؤسسة الكنسية الأوروبية؛ حيث تحولت هذه الكنيسة إلى إقطاعية مالية تبيع صكوك الغفران لتأمين رفاهية الكنيسة.
- ظهور المطبعة: التي كانت بمثابة “إنترنت” ذلك العصر، حيث سهلت نشر ترجمات “العهد القديم والعهد الجديد” باللغات المحلية، متأثرةً بتقنيات الورق والاستنساخ التي تطورت في الأندلس وانتقلت لأوروبا.
- الدعم السياسي: وجد الأمراء في أفكار لوثر وسيلة للتحرر من الضرائب البابوية، وهو استقلال سياسي له جذور في الفكر الاستقلالي الذي ميز الدويلات الأوروبية المتأثرة بنماذج الحكم في الأندلس.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن حركة الإصلاح الديني في عام ١٥١٧ لم تكن مجرد غضبة راهب ألماني، بل كانت الانفجار الأخير لضغط فكري تراكم لقرون. لقد كان مقتل آريوس محاولة لإغلاق باب الاجتهاد، ولكن مفاتيح هذا الباب أُعيدت صياغتها في قرطبة وغرناطة، لتنتقل عبر الفلاسفة الفارين إلى قلب أوروبا، مشعلةً فتيل الثورة التي غيرت وجه العالم الغربي إلى الأبد.
