
يُقدَّم العلم، في صورته المثالية، بوصفه نشاطًا محايدًا، منفصلًا عن الأهواء والاعتقادات، ومحصّنًا ضد التحيّزات التي تلوّن مجالات أخرى من المعرفة. غير أن هذا التصور، رغم ضرورته المنهجية، لا يصمد أمام الفحص الميتابايولوجي؛ إذ يكشف أن الحياد العلمي ليس حالة قائمة بقدر ما هو هدف يُسعى إليه ضمن شروط إدراكية لا تسمح بتحققه الكامل. فالإنسان، بوصفه كائنًا خضع للتحويلة التطورية الأولى، لا يُنتج المعرفة من خارج بنيته الإدراكية، بل من داخلها. ومن ثم، فإن كل معرفة، بما في ذلك المعرفة العلمية، تظل معرضة لاختراق “فائض التمثّل”، الذي يدفعها إلى تجاوز حدودها الوظيفية والانزلاق نحو الأدلجة.
يبدأ العلم بوصفه محاولة لتفسير الظواهر، لكنه لا يبقى كذلك دائمًا. ففي لحظة معينة، وتحت ضغط الحاجة إلى اليقين، تتحول النماذج التفسيرية إلى ما يشبه “أنظمة اعتقاد”. وقد ظهر هذا التحول بوضوح في البايولوجيا التطورية، حيث لم تعد بعض القراءات تكتفي بشرح آليات الحياة، بل راحت تقدّم هذه الآليات بوصفها تفسيرًا كافيًا وشاملًا للوجود ذاته. إن هذه القفزة من “كيف يعمل العالم” إلى “ما هو العالم” تمثل لحظة انكسار “الحياد العلمي”، حيث يتم استبدال السؤال العلمي بسؤال أنطولوجي، دون الاعتراف بطبيعة هذا الانتقال.
إن أيديولوجية العلم لا تتجلى دائمًا في تصريحات صريحة، بل كثيرًا ما تظهر في صورة “افتراضات ضمنية” غير مُساءلة. فحين يُقدَّم نموذج علمي معين بوصفه “الإطار الوحيد الممكن للفهم”، يتم ودون إعلان، “إقصاء البدائل”.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة بعض أطروحات ريتشارد دوكينز بوصفها مثالًا على هذا النمط من الأدلجة، حيث يتم الانتقال من عرض الأدلة إلى استنتاجات فلسفية تُقدَّم كما لو كانت امتدادًا مباشرًا لها. غير أن هذا النمط لا يقتصر على تيار بعينه، بل يمكن أن يظهر في أي اتجاه يسعى إلى احتكار التفسير.
والآن، إذا كانت البايولوجيا التطورية قد شكّلت ساحة للأدلجة في سياق التحويلة التطورية الأولى، فإن الذكاء الاصطناعي، بوصفه نتاج التحويلة التطورية الثانية، يفتح المجال أمام نمط جديد من الأدلجة، أكثر تعقيدًا وخفاءً. فالذكاء الاصطناعي لا يُنتج معرفة فحسب، بل يُعيد تشكيل شروط إنتاجها. ومع ذلك، فإن التعامل معه لا يزال محكومًا بالبنية الإدراكية ذاتها التي أفرزت “فائض التمثّل”. وهنا يظهر خطر جديد يتمثل في تحول الذكاء الاصطناعي ذاته إلى “مرجعية نهائية”، يُستند إليها في تفسير العالم، بل وفي إعادة تعريف الإنسان.
تكمن خطورة الذكاء الاصطناعي في أنه يُقدَّم بوصفه محايدًا بطبيعته، نظرًا لاعتماده على البيانات والخوارزميات. غير أن هذا التصور يغفل حقيقة أن هذه الخوارزميات تُدرَّب على بيانات بشرية مشبعة بالتحيزات وتُصمَّم ضمن أطر مفاهيمية محددة وتُستخدم لتحقيق أهداف اقتصادية أو سياسية. ومن ثم، فإن ما يبدو حيادًا تقنيًا قد يخفي أيديولوجيا كامنة، لا تُفرض عبر الخطاب، بل عبر البنية ذاتها. إن الانتقال من “العلم كأداة” إلى “العلم كسلطة” يجد في الذكاء الاصطناعي تعبيره الأكثر اكتمالًا.
وفي سياق مواجهة هذا الوضع، فإن الميتابايولوجيا لا تسعى إلى استبدال أيديولوجيا بأخرى، بل إلى كشف البنية التي تسمح بظهور الأدلجة أصلًا. فهي لا ترفض العلم، بل ترفض تحويله إلى خطاب شمولي. ولا تنتقد الذكاء الاصطناعي، بل تحذّر من تحويله إلى مرجعية مطلقة. وبهذا المعنى، فإنها تمارس دورًا نقديًا مزدوجًا يتمثل في تفكيك “فائض التمثّل” في إنتاج المعرفة وإعادة إدخال النماذج ضمن حدودها الوظيفية
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن فقدان الحياد العلمي ليس حادثة عرضية، بل هو نتيجة بنيوية لطبيعة الإدراك البشري بعد التحويلة التطورية الأولى. ومع دخولنا في التحويلة التطورية الثانية، يتضاعف هذا التحدي، إذ تصبح الأدوات نفسها جزءًا من المشكلة. ومن هنا، فإن استعادة الحياد لا تعني العودة إلى وهم الموضوعية المطلقة، بل تعني بناء وعي نقدي بحدود المعرفة، وبالشروط التي تُنتجها. فالعلم، حين يدرك حدوده، فإنه يستعيد قوته. وحين يتجاوزها، فإنه يتحول إلى أيديولوجيا، حتى وإن لم يُعلن ذلك. فهذه المقالة إذاً دعوةٌ للعمل على صياغة نظام معرفي جديد يُدرك أن له حدوداً لا ينبغي أن يتعداها، مهما عظمت المُغريات، وأن هذه الحدود لن تُكشفَ له هكذا ومن دون أن يتخلى عن ما كان يحسبه الوقود الذي تتعذر انطلاقته من دونه. فمتى يُدرك العلم أن غطرسة الانسان، حين يحسبها هذا الوقود، هي أول ما يتوجب عليه أن يتحرر منها، قبل أن يتبين هذه الحدود؟!
