نحو تحييد البايولوجيا التطورية… العلم بين التفسير الطبيعي والتوظيف الإيديولوجي

على الرغم من أن البايولوجيا التطورية تُعدّ واحدة من أكثر الحقول العلمية صرامةً من حيث المنهج التجريبي والاستدلالي، فإنها، في سياق دراستها لأصل الإنسان ونشأته، وجدت نفسها مرارًا وتكرارًا منزاحةً عن موقعها الطبيعي بوصفها علمًا وصفيًا، لتُستثمر بوصفها أداة ضمن صراعات فكرية ودينية. فبدلًا من أن تبقى نظرية التطور إطارًا لتفسير التنوع الحيوي وآلياته، جرى تحميلها دلالات ميتافيزيقية لا تنتمي إلى بنيتها العلمية، حتى باتت، في بعض الخطابات، مرادفًا ضمنيًا للإلحاد، أو منصة للدفاع عنه. غير أن هذا التماثل بين التطور والإلحاد لا يعكس ضرورة علمية، بل هو نتاج مسار تاريخي وثقافي معقّد، يستدعي إعادة نظر جذرية في كيفية تموضع العلم داخل الحقل المعرفي العام.
حين صاغ تشارلز داروين نظريته في الانتقاء الطبيعي، لم يكن بصدد تقديم بديل ميتافيزيقي عن الدين، بل كان يسعى إلى تفسير ظاهرة بايولوجية محددة مفادها “كيف تتغير الأنواع عبر الزمن”. غير أن الطابع التفسيري الشامل للنظرية، وقدرتها على الإحاطة بتاريخ الحياة، جعلاها عرضةً لتأويلات تتجاوز نطاقها. وفي هذا السياق، يشير ستيفن جاي غولد إلى ضرورة التمييز بين ما يسميه “مجالات السيادة غير المتداخلة” (Non-Overlapping Magisteria)، حيث يرى أن العلم والدين يعملان ضمن نطاقين مختلفين؛ حيث أن الأول يعالج الوقائع الطبيعية، والثاني يتناول الأسئلة القيمية والوجودية. ومن ثم، فإن تحويل نظرية علمية إلى بيان فلسفي أو عقدي يُعد خلطًا منهجيًا.
ولقد برز عدد من العلماء الذين حاولوا الدفاع عن هذا الفصل المنهجي، رافضين ما يمكن تسميته بـ”الاختطاف الإلحادي” للبيولوجيا التطورية. من بين هؤلاء:
• فرانسيس كولينز، مدير مشروع الجينوم البشري، الذي قدّم في كتابه The Language of God نموذجًا يجمع بين الإيمان والتطور، مؤكدًا أن النظرية لا تنفي وجود خالق، بل تفسّر آليات الخلق من داخل الطبيعة.
• كينيث ميلر، الذي دافع بقوة عن تدريس التطور، وفي الوقت نفسه رفض استخدامه كأداة لنفي الدين، معتبرًا أن هذا الاستخدام يُسيء إلى العلم نفسه.
• سايمون كونواي موريس، الذي طرح فكرة “التقارب التطوري”، مشيرًا إلى أن مسار التطور قد لا يكون عشوائيًا بالكامل، بل يحمل أنماطًا متكررة تُبقي الباب مفتوحًا أمام قراءات غير اختزالية.
وفي المقابل، نجد خطابًا آخر يمثّله ريتشارد دوكينز، حيث يتم تقديم التطور بوصفه دليلًا ضد وجود الإله، وهو موقف، رغم شهرته، لا يُعبّر عن إجماع علمي، بل عن تأويل فلسفي شخصي لنظرية علمية.
إن الإشكال الجوهري لا يكمن في نظرية التطور ذاتها، بل في تحميلها ما لا تحتمل. فالعلم، بطبيعته، يعمل ضمن إطار “المنهج الطبيعي” (methodological naturalism)، أي أنه يفسّر الظواهر اعتمادًا على أسباب طبيعية قابلة للاختبار، دون أن يُصدر أحكامًا حول ما إذا كانت هذه الأسباب هي كل ما يوجد في الواقع.
ومن هنا، فإن تحويل هذا المنهج إلى موقف أنطولوجي (أي القول بأن الطبيعة هي كل ما يوجد) يُعد “قفزة فلسفية لا يبررها العلم ذاته”.
إن الدعوة إلى “تطهير” البيولوجيا التطورية من الصبغات الإيديولوجية لا تعني إقصاء الدين من النقاش، بل تعني إعادة كل مجال إلى حدوده المعرفية. فـ “العلم لا يحتاج إلى أن يكون ملحدًا ليكون علمًا، كما أن الدين لا يحتاج إلى أن يرفض العلم ليحافظ على معناه”. وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى التطور بوصفه وصفًا لآلية، لا تفسيرًا نهائيًا للوجود. وهو ما يفتح المجال أمام مقاربات أكثر تركيبًا، ترى في العلم أداة لفهم “كيف”، دون أن تدّعي الإجابة عن “لماذا”.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن واحدة من أهم المهام الفكرية في عصرنا تتمثل في استعادة “براءة” العلم من الاستخدامات الإيديولوجية التي تُثقله بما ليس منه. فالبايولوجيا التطورية، حين تُفهم ضمن حدودها، لا تُثبت الإلحاد ولا تنفيه، بل تقدّم نموذجًا قويًا لفهم الحياة. أما ما يتجاوز ذلك، فهو شأن الفلسفة، وليس العلم. وفي هذا التمييز، لا يكمن إضعاف لأي طرف، بل هو تحريرٌ للعلم عن “التوظيف الإيديولوجي”، كما أنه نأيٌ بالدين عما هو ليس منه.

أضف تعليق