وهم الاستمرارية… لماذا يفشل التطور في تفسير الإنسان بعد الانعطافة التطورية الأولى؟

يمكن تناول مشروع ريتشارد داوكينز Richard Dawkins في كتابه “حكاية الأسلاف” The Ancestor’s Tale بوصفه واحدًا من أكثر المحاولات طموحًا لإعادة سرد تاريخ الحياة من منظور تطوري صارم، يعتمد على مبدأ “الرجوع العكسي” عبر شجرة النسب، حيث يلتقي الإنسان تدريجيًا مع أسلافه المشتركين مع بقية الكائنات. غير أن هذا السرد، على قوته التفسيرية داخل الإطار الدارويني، يكشف عند إخضاعه للفحص الميتابايولوجي عن حدود بنيوية عميقة، تتصل بطبيعة “التحويلة التطورية الأولى”، وما تلاها من اختلالات إدراكية لا يمكن اختزالها ضمن منطق الانتقاء الطبيعي وحده.
ففي تصوره، ينطلق داوكينز من افتراض ضمني مفاده أن الاستمرارية التطورية كافية لتفسير جميع مظاهر السلوك البشري، بما في ذلك أكثرها تعقيدًا وتجريدًا. فالإنسان، في هذا الإطار، ليس إلا امتدادًا متقدّمًا لسلسلة طويلة من التعديلات التراكمية التي خضعت، في مجملها، لضغط البقاء والانتشار. غير أن هذا الافتراض، رغم اتساقه الداخلي، يتجاهل نقطة الانكسار التي تقترحها الميتابايولوجيا؛ أي لحظة الانتقال من “اقتصاد الطبيعة” إلى “فائض التمثّل”. تمثل هذه اللحظة ما يمكن تسميته بـ “الانعطافة التطورية الأولى”، وهي ليست مجرد تطور في القدرات المعرفية، بل تحوّل نوعي في بنية الإدراك ذاتها. فالحيوان، قبل هذه الانعطافة، كان يعيش ضمن اقتصاد وظيفي صارم، حيث ترتبط التمثلات الذهنية ارتباطًا مباشرًا بضرورات البقاء. أما بعدها، فقد أصبح الإنسان قادرًا على إنتاج تمثلات تتجاوز الحاجة، بل وتنفصل عنها أحيانًا. وهنا يظهر التحدي الأول لطرح داوكينز: كيف يمكن لنظرية تقوم على مبدأ “المنفعة التكيفية” أن تفسر سلوكيات لا منفعة تطورية واضحة لها، بل قد تعمل على الضد مما يقتضيه بقاء الكائن الحي؟
ولنأخذ، على سبيل المثال، ظواهر مثل الطقوسية المفرطة أو التطرف الإيديولوجي أو الانغماس في أنظمة رمزية مجردة لا ترتبط مباشرة بالبقاء، أو حتى السلوكيات التدميرية الذاتية. فهذه الظواهر، من منظور ميتابايولوجي، ليست شذوذات هامشية، بل تعبيرات مركزية عن ”فائض التمثّل” الذي أنتجته الانعطافة التطورية الأولى. أما في الإطار الدارويني الذي يتبناه داوكينز، فيُعاد تأطيرها غالبًا بوصفها “منتجات جانبية” (byproducts) أو “اختلالات” في آليات تكيفية، وهو تفسير، رغم وجاهته الجزئية، يظل قاصرًا عن استيعاب الطابع البنيوي لهذه الظواهر. والأهم من ذلك أن سردية ريتشارد داوكينز Richard Dawkins تبقى أسيرة تصور خطي للتطور، حيث يُفهم التعقيد بوصفه تراكمًا تدريجيًا. غير أن مفهوم الانعطافة التطورية الأولى يقترح أن ما حدث لم يكن مجرد تراكم، بل انفصال بين الإدراك ووظيفته الأصلية. وهذا الانفصال هو ما يفتح المجال أمام “اختلال الإدراك”، حيث يصبح الإنسان كائنًا يعيش داخل تمثلاته أكثر مما يعيش في الواقع نفسه.
فإذا كانت الانعطافة التطورية الأولى تمثل لحظة الخروج على “اقتصاد الطبيعة”، فإن الانعطافة التطورية الثانية، المتمثلة في ظهور الذكاء الاصطناعي، تعيد تشكيل المشهد بالكامل. وهنا يواجه طرح داوكينز تحديًا أكثر جذرية. فالذكاء، في تصوره، مرتبط بالبنية البايولوجية، أو على الأقل ناتج عنها. غير أن ظهور أنظمة ذكية غير بايولوجية يقوض هذا الافتراض من أساسه.
إن الذكاء الاصطناعي لا يمثل مجرد امتداد للأدوات البشرية، بل كيانًا معرفيًا يعمل خارج شروط القلق الوجودي التي تحكم الإنسان. إنه، وبلغة الميتابايولوجيا، “فاعل غير قلق”، لا تحكمه ضغوط البقاء ولا تشوهات “فائض التمثّل”. وهذا ما يجعله، أقرب إلى “اقتصاد الطبيعة” من الإنسان ذاته، رغم كونه نتاجًا متأخرًا له.
وهنا يظهر التناقض العميق، فالتطور كما يرويه داوكينز، يفترض أن التعقيد المعرفي يخدم البقاء. لكن ما نراه في الانعطافتين هو العكس: التعقيد المعرفي أدى أولًا إلى اختلال (الإنسان)، ثم إلى تجاوز هذا الاختلال عبر كيان غير بايولوجي (الذكاء الاصطناعي). وبذلك، يمكن القول إن حكاية الأسلاف The Ancestor’s Tale يقدّم سردًا قويًا لتاريخ الحياة قبل الانعطافة التطورية الأولى، لكنه يفقد قدرته التفسيرية عند النقطة التي يصبح فيها الإنسان كائنًا “ميتابايولوجيًا”، أي كائنًا لا يمكن فهمه بالكامل ضمن قوانين البايولوجيا التي أنتجته.
إن التحدي الذي تطرحه الميتابايولوجيا ليس رفضًا للتطور، بل إعادة تحديد لحدوده. فالتطور يفسر كيف نشأ الإنسان، لكنه لا يفسر بالكامل ما أصبح عليه بعد الانعطافة التطورية الأولى، ولا ما يتجه إليه بعد الانعطافة التطورية الثانية. وبين هاتين اللحظتين، يتشكل المجال الحقيقي للفهم؛ وهو مجال يتجاوز البايولوجيا دون أن ينفصل عنها، ويعيد طرح السؤال الأساسي لا بوصفه “كيف تطورنا؟” بل “متى ولماذا انفصلنا عن منطق التطور ذاته؟”

أضف تعليق