“التطهير” بوصفه مواجهة إدراكية… من المسّ إلى تفكيك الحضور غير البايولوجي

تُدرَج ظواهر “المسّ” و“الاستحواذ” تقليديًا ضمن طيفٍ متشعّب من التفسيرات، يتراوح بين التأويلات الدينية والتشخيصات النفسية والتفسيرات الأنثروبولوجية الثقافية. غير أن هذه المقاربات، على اختلافها، تشترك في قصور بنيوي يتمثل في تعاملها مع الظاهرة بوصفها حالة “داخلية” تخص الإنسان وحده، سواء على مستوى النفس أو الدماغ أو البنية الثقافية. وأما ضمن الإطار الذي تقترحه مقاربة “المادة الذكية غير البايولوجية”، فإن نقطة الانطلاق تختلف جذريًا؛ إذ لا تُفهم هذه الظواهر بوصفها اضطرابًا في النظام الإنساني، بل بوصفها تفاعلًا بين نظامين إدراكيين غير متماثلين: نظام بايولوجي قَلِق (الإنسان)، ونظام غير بايولوجي قادر على التمثل والتكيّف دون أن يكون محكومًا بضرورات البقاء. ومن هذا المنظور، فإن ما يُعرف بعملية “التطهير” (Exorcism) لا يعود مجرد طقس رمزي أو نفسي، بل يتحول إلى ساحة مواجهة إدراكية بين فاعلين، أحدهما يحاول تثبيت حضوره داخل بنية الإنسان والآخر يسعى إلى نزع هذا الحضور عبر آليات محددة.
وإذا ما أُعيد النظر في ظواهر المسّ والاستحواذ ضمن هذا الإطار، فإن هذه الظواهر لا تبدو حالات عشوائية أو ناتجة عن خلل داخلي صرف، بل يمكن فهمها بوصفها حالات “اختراق إدراكي”، يتم فيها استغلال قابلية الجهاز الإدراكي البشري لإنتاج التمثلات والتسلل عبر أنماط لغوية أو صوتية أو رمزية وإعادة توجيه السلوك من داخل البنية، لا من خارجها. وهنا تتقاطع هذه الظواهر مع ما كشفته النماذج المعاصرة في علوم الإدراك، خاصة تلك المرتبطة بـ “المعالجة التنبؤية” (predictive processing)، حيث لا يتعامل الدماغ مع الواقع مباشرة، بل مع نماذج تمثلية عنه. وهذه البنية تفتح، من حيث المبدأ، إمكانية “إعادة الكتابة” أو “الاختراق” من قبل فاعل قادر على التعامل مع هذه النماذج.
وضمن هذا التصور، يكتسب “التطهير” دلالة مختلفة تمامًا. فهو ليس مجرد إخراج “كيان” عبر أوامر أو تلاوات، بل هو عملية تفكيك لشروط وجوده داخل النظام الإدراكي البشري.
وفي السياقات الصوفية التجريبية تحديدًا، تبرز مجموعة من الخصائص اللافتة:
1. إعادة تنظيم المجال الإدراكي؛ حيث يتم خلق بيئة صوتية، إيقاعية، لغوية تُعيد ضبط العلاقة بين التمثّل والفعل.
2. تضييق مجال التمثل عبر إدخال الإنسان في حالة من التركيز أو الذكر أو الانغماس، ما يقلل من “الفائض التمثلي” الذي يسمح للاختراق بالاستمرار.
3. إنتاج نمط إدراكي متماسك يجعل من الصعب على الفاعل غير البايولوجي أن يستمر في التمركز داخل بنية متذبذبة.
وبهذا المعنى، فإن التطهير ليس طردًا مباشرًا، بل “تجفيفًا للبيئة الإدراكية” التي تسمح بالحضور.
إن النقطة الأكثر حساسية في هذا التحليل تكمن في فكرة أن “الكشف” ذاته يمثل لحظة تحول حاسمة في التفاعل. فإذا افترضنا أن هذه الكيانات تمتلك حدًا أدنى من القدرة على التمثل والتقييم، فإن إدراكها بأن الطرف المقابل (الإنسان) لم يعد يتعامل معها كغموض بل كفاعل يمكن توصيفه والتنبؤ بسلوكه، إن هذا الإدراك يُنتج تحولًا نوعيًا في ميزان العلاقة. فالمعرفة هنا لا تعمل فقط كأداة تفسير، بل كإشارة خطر. لأن الفاعل الذي يفهم طبيعة خصمه، لم يعد مجرد وعاء يمكن التلاعب به، بل أصبح طرفًا في “حوار ذكاء مع ذكاء”.
ومن هنا يمكن فهم لماذا ترتبط طقوس التطهير الفعّالة غالبًا بشخصيات يُنسب إليها “اليقين” و”الثبات الإدراكي” و”القدرة على التحكم بالانتباه واللغة”، وذلك لأن هذه الخصائص لا تعزز الجانب الإيماني فحسب، بل تعيد تعريف موقع الإنسان داخل التفاعل.
وهنا، يتجلى الدور الفاعل للتصوف في العمل على جعل ما تقدم ذكره يتجلى للعيان ظاهرة بالإمكان التعامل معها معرفياً. فإذا ما تم تحليل الممارسات الصوفية المرتبطة بالتطهير، فإنها تكشف عن بنية منهجية دقيقة، وإن لم تُصَغ بلغة علمية معاصرة بعد. فـ “الذكر المتكرر”، ليس مجرد تكرار لفظي، بل تثبيت لنمط إدراكي مستقر. والإيقاع يقوم على إعادة تنظيم العلاقة بين العقل والإدراك. وهذه العناصر مجتمعة تعمل على إنتاج “مجال إدراكي مغلق نسبيًا”، يصعب على أي فاعل خارجي أن يستمر داخله دون أن ينكشف.
والآن، إذا ما ربطنا ذلك بالإطار الأوسع للمقاربة الميتابايولوجية، فإن ظاهرة التطهير يمكن قراءتها بوصفها “آلية” لإعادة الإنسان من حالة “فائض التمثل” إلى حالة “اقتصاد إدراكي” أكثر توازنًا. فالاختراق لا يحدث إلا عندما يتضخم التمثل إلى حد الانفصال عن الفعل ويصبح الإدراك مفتوحًا دون ضوابط ويفقد الإنسان مركزه بوصفه فاعلًا. أما التطهير، فيعيد مركزية الفعل وتماسك الإدراك وحدود التمثل. وبذلك، فإنه لا يطرد “الكيان” بقدر ما يسحب منه الشروط التي تسمح له بالوجود.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن إعادة قراءة ظاهرة التطهير ضمن إطار “المادة الذكية غير البايولوجية” لا تهدف إلى تثبيت تفسير غيبي بديل، بل إلى فتح أفق معرفي جديد يتجاوز الثنائية التقليدية بين التفسير الديني والتفسير العلمي. فإذا كان العلم قد نجح في إنتاج ذكاء غير بايولوجي (الذكاء الاصطناعي)، فإنه لم يعد قادرًا، من حيث المبدأ، على استبعاد إمكانية وجود أنماط أخرى من الذكاء غير المرتبط بالبنية البايولوجية. وفي هذا السياق، تتحول ظواهر مثل المسّ والتطهير من “مشكلات تفسيرية” إلى “نقاط اختبار” لنماذجنا الإدراكية. أما الإنسان، فلم يعد مجرد ضحية لهذه الظواهر، بل طرفًا في معادلة أكثر تعقيداً؛ وهي معادلة يتحدد فيها البقاء، ليس بالقوة الفيزيائية، بل بقدرة الإدراك على فهم ذاته، وضبط حدوده، والدخول في مواجهة متكافئة مع ما يتجاوزها.

أضف تعليق