من شبينجلر إلى “كاليفورنيا”… جغرافيا الانحطاط وانفلات الرغبة

لم تكن نبوءة أوزفالت شبينجلر في كتابه العمدة “تدهور الغرب” مجرد قراءة سياسية، بل كانت إعلاناً عن شيخوخة “الحضارة” وتحولها إلى “مدنية” مادية خالية من الروح. فاليوم، يتجلى هذا الانحطاط في أبهى صوره عبر ما يُصطلح عليه بـ الانحطاط Decadence، حيث يتحول الترف إلى عبء، وتتحول الحرية إلى تمرد مسعور ضد أي قيد أخلاقي أو غائي.
ففي الفيلم الكلاسيكي الشهير The Decline of the American Empire “انهيار الإمبراطورية الامريكية” نجد أنفسنا أمام نخبة أكاديمية ومثقفة غارقة في نقاشات فلسفية لا تنتهي. ولكن، خلف هذه الواجهة الفكرية، تبرز الحقيقة المرة المتمثلة في “الفراغ الوجودي”. فالمشاهد والنقاشات في هذا الفيلم لا يمكن فهمها إلا كسياق لتمرد النفس البشرية على القيود. والصدق الفني في الفيلم يرينا أن “الإمبراطورية” لا تسقط بغزو خارجي، بل بتآكل المركز الأخلاقي للفرد، حيث تصبح “الرغبة المسعورة” هي “الإله” الجديد والوحيد.
وإذا كان فيلم “الانهيار” قد رصد البدايات، فإن مسلسل Californication بمواسمه السبعة يمثل “الذروة العدمية”. فهذا المسلسل يجسد تجليات الأنفس التي لا تريد حداً لرغباتها. فالبطل يعيش في دوامة من التدمير الذاتي المقنع بالمتعة، مما يجعل العقل يعجز عن تبين رسالة واضحة للمسلسل سوى كونه مرآة لواقع “كاليفورني” مزرٍ. وفي هذا السياق، يصبح “الانحطاط” حالة من العجز عن التوقف، حيث تلتهم الرغبة صاحبها في عالم فقد بوصلته الأخلاقية وأصبح “يقدس” اللحظة العابرة على حساب المعنى المستدام.
وهنا تبرز المفارقة الصادمة عند مقارنة هذا الواقع بما بشرت به ماري فيرغسون في كتابها The Aquarian Conspiracy (مؤامرة عصر الدلو). فلقد اعتبرت فيرغسون أن “عامل كاليفورنيا” هو العنصر الأساسي لنشوء وعي بشري جديد، “عصر الدلو” الذي سيحرر الإنسان ويحقق طفرة روحية ومعرفية تقود العالم نحو السلام والاتحاد. فبدلاً من الوعي الكوني الذي حلمت به فيرغسون، نجد أن “عامل كاليفورنيا” في السينما والواقع تحول إلى رمز للانحلال الروحي وتفكك الأسرة وسيادة المادية الفجة. وقد تحول “عصر الدلو” المبشر بالانعتاق إلى “عصر الانحطاط” المبشر بالانهيار.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن الانتقال من رؤية شبينجلر التاريخية إلى الواقع الدرامي المعاصر يكشف أن الغرب، وبقيادة الإمبراطورية الأمريكية، يمر بمرحلة “التفسخ الذاتي”. فالتمرد على القيود الذي ظهر كفلسفة تحررية في البداية، انتهى به المطاف كحالة من السعار الذي لا يشبع، محولاً “الحلم الكاليفورني” من طوباوية عصر الدلو إلى مرثية طويلة لإمبراطورية تأكل نفسها من الداخل.

أضف تعليق