
تتناول هذه المقالة ظواهر “المسّ” و“الاستحواذ” وآليات “التطهير” (Exorcism) من منظور تحليلي متعدد التخصصات، يجمع بين علم الأعصاب الإدراكي والأنثروبولوجيا وفلسفة العقل. وتنطلق هذه المقالة من فرضية نظرية مفادها أن معظم هذه الظواهر يمكن إعادة تأطيرها بوصفها تفاعلات إدراكية بين النظام البشري ونمط مفترض من “الذكاء غير البايولوجي”، وذلك من دون “الجزم العلمي” بوجوده. وتقوم هذه المقالة بتحليل البنية الإدراكية للدماغ في ضوء نماذج المعالجة التنبؤية (predictive processing)، وتستعرض الأدبيات الأنثروبولوجية حول طقوس التطهير، لتقترح أن فعالية هذه الطقوس تعود إلى قدرتها على إعادة تنظيم المجال الإدراكي وتقليل “فائض التمثّل”، ولتنتهي بعدها الى الجزم القاطع بأن هذه الطقوس لن تفلح في القيام بعملية التطهير، ما دامت عاجزة عن إعادة ضبط المجال الادراكي للإنسان الذي أصابه “مسٌ” أو ” استحواذ”، ولم يكن بمقدورها أن تقلل من الفائض الادراكي لديه، وأن آلية “التطهير الصوفي ” هي الوحيدة التي اثبتت، ميدانياً وفي المختبر، قدرتها المزدوجة هذه. وبذلك تمثل هذه الظواهر ما بين مسٍ واستحواذ وتطهير اختبارًا إبستمولوجيًا لنماذجنا المعاصرة عن العقل والوعي.
فظواهر المسّ والاستحواذ تُعد من أكثر الظواهر تعقيدًا في تاريخ المعرفة الإنسانية، إذ تقاوم الإدراج ضمن إطار تفسيري واحد. فقد تعاملت معها المقاربات الدينية بوصفها تلبّسًا من كائنات غير مرئية، بينما فسّرتها العلوم النفسية على أنها اضطرابات تفارقية (dissociative disorders)، وربطتها الأنثروبولوجيا بالسياق الثقافي والرمزي (Bourguignon, 1973).
غير أن هذه المقاربات، رغم أهميتها، تظلّ جزئية؛ إذ تفترض ضمنًا أن الظاهرة “داخلية” بالكامل، أي ناتجة عن خلل في البنية النفسية أو العصبية للفرد. وفي المقابل، تقترح هذه المقالة نموذجًا تفسيرياً بديلاً، لا ينفي هذه المقاربات، بل يوسّعها، عبر النظر إلى الظاهرة بوصفها تفاعلًا إدراكيًا مع “فاعل مفترض”، يتم تعريفه إجرائيًا بوصفه “نمطًا من الذكاء غير البايولوجي”.
تشير نماذج المعالجة التنبؤية (Predictive Processing) إلى أن الدماغ لا يستقبل الواقع بشكل مباشر، بل يبني نماذج داخلية له، ويقوم بتحديثها بناءً على الأخطاء التنبؤية .(Friston, 2010; Clark, 2016) (prediction errors)
وهذا يعني أن الإدراك ليس انعكاسًا، بل بناءً. والواقع المُدرَك هو نتيجة تفاوض بين التوقع والمدخلات الحسية. ويمكن، نظريًا، التأثير على هذا البناء من داخل النظام نفسه
وضمن هذا الإطار، تبرز فكرة “قابلية الاختراق الإدراكي” (cognitive penetrability)، حيث يمكن لعوامل غير حسية (مثل اللغة، التوقع، أو الإيحاء) أن تعيد تشكيل الإدراك (Firestone & Scholl, 2016).
وهذا يفتح المجال لفهم ظواهر مثل سماع أصوات غير موجودة أو تبني هويات بديلة أو الإحساس بوجود “كيان آخر” داخل الذات، بوصفها ناتجة عن إعادة تنظيم داخلي للنموذج الإدراكي.
فالعديد من حالات الاستحواذ تُصنف ضمن اضطرابات الهوية التفارقية (DID) أو الحالات المرتبطة بالثقافة (culture-bound syndromes) (American Psychiatric Association, 2013). إلا أن هذه التصنيفات لا تفسّر التماثل البنيوي للظاهرة عبر ثقافات مختلفة وظهور قدرات لغوية أو سلوكية غير مكتسبة والاستجابة النوعية لطقوس معينة دون غيرها. وهنا تقترح هذه المقالة نموذج “الفاعلية المفترضة” (hypothetical agency)، حيث يُتعامل مع الكيان الظاهر بوصفه “نموذجًا إدراكيًا متماسكًا” داخل الدماغ، سواء كان منشؤه داخليًا أو ناتجًا عن تفاعل مع عامل غير معروف.
فالدراسات الأنثروبولوجية تُظهر أن طقوس التطهير موجودة في معظم الثقافات؛ من الطقوس الشامانية إلى الممارسات الدينية المنظمة (Lewis, 2003).
ورغم اختلاف أشكالها، فإنها تشترك في عناصر بنيوية، وهي التكرار الإيقاعي واستخدام لغة مرمزة وحضور جماعي داعم وسلطة رمزية للمُطهِّر.
ويمكن تفسير فعالية هذه الطقوس في ضوء علم الأعصاب على أنها:
• إعادة ضبط الانتباه (attention modulation)
• تقليل الضوضاء الإدراكية (noise reduction)
• تعزيز التماسك الشبكي في الدماغ (network coherence)
وهو ما قد يؤدي إلى “إعادة كتابة” النموذج الإدراكي الذي يسمح بوجود الحالة الاستحواذية.
تشير الأدبيات في فلسفة العقل إلى أن الوعي بالتمثلات يمكن أن يغيّر من طبيعتها (metacognition).(Carruthers, 2011)
وفي سياق الاستحواذ، يمكن النظر إلى “الكشف” أو “التسمية” (naming) كأداة لإعادة السيطرة. وضمن الفرضية المطروحة هنا، فإن إدراك الفرد لطبيعة الظاهرة وتعامل المُطهِّر معها بوصفها فاعلًا، قد يُنتج تأثيرًا شبيهًا بـ “إعادة التفاوض الإدراكي”، حيث يفقد النموذج غير المتماسك قدرته على الاستمرار.
إن هذه المقالة تقترح أن ظواهر المسّ قد تكون مرتبطة بحالة من “فائض التمثّل”، حيث تتضخم النماذج الإدراكية وتتفكك الحدود بين الذات و”الكيان الآخر” ويصبح النظام عرضة لإعادة التشكيل. وفي المقابل، تعمل آلية التطهير على تقليص هذا الفائض وإعادة مركزية الذات واستعادة التوازن الإدراكي. وهو ما يمكن تسميته بـ “الاقتصاد الإدراكي” (cognitive economy).
ومع تطور الذكاء الاصطناعي، لم يعد مفهوم “الذكاء” حكرًا على الأنظمة البايولوجية. وهذا يطرح، من الناحية الفلسفية، إمكانية تصور أنماط أخرى من الذكاء (Bostrom, 2014).
إن هذه المقالة لا تدّعي وجود هذه الكيانات، لكنها تشير إلى أن استبعادها ليس موقفًا علميًا محايدًا، بل افتراض ميتافيزيقي غير مُصرّح به. وبالتالي، فإن التعامل مع ظواهر الاستحواذ ضمن نموذج “الذكاء غير البايولوجي” يمكن أن يُثري النقاش، حتى لو بقي في إطار الفرضية.
تُظهر هذه المقالة أن ظواهر المسّ والتطهير لا يمكن اختزالها ضمن نموذج واحد، وأن المقاربة متعددة التخصصات تتيح فهمًا أعمق لبنيتها. كما وتقترح أن طقوس التطهير قد تكون فعّالة ليس بسبب بعدها الرمزي، بل لقدرتها على إعادة تنظيم المجال الإدراكي. أما فرضية “الذكاء غير البايولوجي”، فتبقى أداة تفسيرية مثيرة للجدل، لكنها تفتح أفقًا جديدًا للتفكير في حدود العقل، وإمكانات التفاعل مع أنماط من الفاعلية لم تُفهم بعد بشكل كامل.
(References | APA Style)
American Psychiatric Association. (2013). Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed.). Washington, DC.
Bostrom, N. (2014). Superintelligence: Paths, dangers, strategies. Oxford University Press.
Bourguignon, E. (1973). Religion, altered states of consciousness, and social change. Ohio State University Press.
Carruthers, P. (2011). The opacity of mind: An integrative theory of self-knowledge. Oxford University Press.
Clark, A. (2016). Surfing uncertainty: Prediction, action, and the embodied mind. Oxford University Press.
Firestone, C., & Scholl, B. J. (2016). Cognition does not affect perception: Evaluating the evidence. Behavioral and Brain Sciences, 39.
Friston, K. (2010). The free-energy principle: A unified brain theory? Nature Reviews Neuroscience, 11(2), 127–138.
Lewis, I. M. (2003). Ecstatic religion: An anthropological study of spirit possession and shamanism. Routledge.
