
أشار المؤرخ الألماني الشهير أوزفالت شبينجلر في كتابه “انحطاط الحضارة” إلى أن الحضارات تشبه الكائنات الحية؛ تولد ثم تنضج ثم تدخل مرحلة “المدنية” التي تتسم بالضخامة المادية مع الخواء الروحي. فما نعيشه اليوم، والذي تمثله كلمة Decadence، هو اللحظة التي تتوقف فيها القيم عن كونها “حوافز” وتصبح “قيوداً” يُسعى لتحطيمها. وفي هذه المرحلة، لا يعود الفرد يبحث عن “الحرية” ليبني، بل يبحث عن “الانفلات” ليتبدد.
ففي فيلم The Decline of the American Empire”انهيار الإمبراطورية الامريكية”، نلاحظ أن النقاشات الفلسفية لم تكن تهدف للوصول إلى الحقيقة، بل كانت نوعاً من “الترف الفكري” الذي يغطي على تهاوي العلاقات الإنسانية. فهذا الفيلم يصور كيف أن “النفس البشرية” حين تتحلل من ضوابطها الأخلاقية، تتحول إلى آلة لا تهدأ لتنفيذ الرغبات غير السوية. والمشاهد التي قد تبدو “غير مفهومة” هي في الحقيقة تعبير دقيق عن حالة الضياع؛ حيث يصبح الجنس والطعام والثرثرة هي الملاذات الأخيرة لإنسان فقد إيمانه بغير هذه الحياة الدنيا.
أما مسلسل Californication فإنه يمثل مرحلة ما بعد الانهيار. فإذا كان الفيلم يتحدث عن “بدء التدهور”، فإن المسلسل يعرض “التعايش مع العفن”. فعجز العقل عن إيجاد “رسالة” للمسلسل هو في الواقع “الرسالة” التي يريدها هذا المسلسل أن تصل المتلقي؛ فهو يصور حياة بلا غاية (Teleology). فالشخصيات تتحرك في فراغ كاليفورني، حيث الرغبات المنحرفة غير السوية لا تعرف حداً، ليس لأنها قوية، بل لأنه لا يوجد “سد” أخلاقي يقف في وجهها. فشخصية “هانك مودي” هي تجسيد للإنسان الذي يملك كل أدوات “المتعة” لكنه يفتقد “السعادة”، وهو ما يفسر سعاره الدائم نحو المزيد من التدمير الذاتي.
تأتي المقارنة مع ماري فيرغسون وكتابها The Aquarian Conspiracy “مؤامرة عصر الدلو” لتعطي المقالة عمقاً نقدياً لاذعاً، وذلك كما يلي:
1. عامل كاليفورنيا الطوباوي. فلقد رأت فيرغسون في كاليفورنيا “مختبراً” لولادة إنسان جديد متصل روحياً، كجزء من “مؤامرة” إيجابية لتغيير العالم عبر الوعي.
2. الانحطاط الواقعي. فبدلاً من الوعي الكوني، أنتج “عامل كاليفورنيا” ثقافة الاستهلاك المفرط وتأليه الذات وتحويل الجسد إلى سلعة.
3. التصادم الفكري. إن المقارنة هنا توضح كيف أن “النيات الطوباوية” التي نادت بالتحرر من القيود التقليدية كما يدعو (عصر الدلو) الى ذلك، انتهت بفتح الباب على مصراعيه لـ “الانحطاط” الذي نراه في المسلسل، حيث النفوس ليست “حرة” بل “مستعبدة” من قبل رغباتها “غير الطبيعية”.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن الانهيار الذي تنبأ به شبينجلر لم يأتِ على صهوة جيوش غازية، بل تسلل عبر الشاشات والنقاشات وقصص الانفلات الأخلاقي. فبين طوباوية ماري فيرغسون وعدمية Californication، نكتشف أن الإمبراطورية الأمريكية لا تسقط لأن خصومها أقوياء، بل لأنها فقدت القدرة على قول “لا” أمام رغباتها المسعورة، لتسقط في هاوية من “الانحطاط” الذي لا تعرف له قراراً.
