
تبدو رواية “اسم الوردة” في ظاهرها صراعاً حول “كتاب مفقود” لأرسطو، لكنها في جوهرها تجسيد حي لتلك اللحظة التي يصطدم فيها الإنسان بضعفه ومحدوديته. يضعنا أمبرتو إيكو داخل جدران الدير، ليس لنشهد صلوات الرهبان، بل لنشاهد كيف يتحول التدين إلى قناع يواري خلفه أزمات النفس وتناقضات الجسد.
تتجلى الهشاشة الإنسانية في الرواية من خلال الخوف. فالرهبان الذين يُفترض بهم امتلاك “اليقين”، يرتعدون أمام كتاب يتحدث عن “الضحك”. وهذا الخوف ليس إلا انعكاساً لهشاشة بنائهم الفكري؛ فالإنسان حين يشعر بضعف حجته، يلجأ إلى العنف أو التستر خلف الأسوار. فهشاشة الإنسان هنا تكمن في عدم قدرته على مواجهة الحقيقة إذا كانت تهدد منظومته السلطوية.
يبرز النفاق التديني في الرواية كظاهرة لا مفر منها عندما تتحول العبادة إلى “أداء سياسي” أو “سلطة قمعية”. نجد ذلك بوضوح في “ازدواجية المعايير”، حيث أن الرهبان الذين ينادون بالزهد والترفع عن الصغائر، غارقون في صراعات القوة والشهوات المكبوتة والمؤامرات الدموية. ويصور إيكو كيف يتم استغلال النصوص المقدسة لتبرير الجرائم. وهنا يصبح التدين وسيلة لتعمية الأبصار عن الحقيقة وليس كشفاً لها. ويمثل الراهب “خورخي” قمة النفاق التديني؛ فهو يرى في الضحك تدنيساً، بينما يمارس هو نفسه “القتل” (وهو الخطيئة الكبرى) دفاعاً عن وجهة نظره، وتناسى بذلك الحقيقة الإنجيلية التي مفادها أن ما يقوم به هو في حقيقة الأمر ليس أكثر من نفاق يغلف الكراهية بعباءة القداسة.
يرى إيكو أن الممارسة التدينية غالباً ما يصاحبها النفاق لأنها تضع الإنسان في مواجهة معايير “فوق بشرية” لا يقوى على تحقيقها، فيلجأ للتظاهر. غير أن إيكو يترك لنا بصيص أمل في شخصية “ويليام الباسكرفيلي”، الذي يمثل التدين الذي ينأى بنفسه عن أن يخالطه نفاق أو رياء. فويليام يدرك هشاشته ولا يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة، وهذا هو الفرق بين “التدين الأصيل” الذي يندر وجوده، و”النفاق التديني” السائد الذي يتغذى على الادعاء.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن في رواية “اسم الوردة”، فإن الورود تذبل والأسماء تبقى، وكذلك يفعل الإنسان؛ يذبل خلف أقنعة النفاق وتظل هشاشته هي الحقيقة الوحيدة التي يحاول الهروب منها. إن رواية إيكو ليست هجوماً على الدين، بل هي مرآة كاشفة للنفس البشرية التي تجد في “النفاق التديني” ملاذاً مريحاً يقيها وعثاء مواجهة ضعفها الخَلْقي.
