
في كل مرة يُطرح فيها سؤال العلاقة مع “الآخر” غير المسلم، يتجه النقاش سريعًا نحو البحث عن “تجديد” أو “تحديث” في الخطاب، وكأن الإشكال يكمن في قصورٍ أصلي في المنهج ذاته. غير أن قراءة متدبرة للنص القرآني تكشف مفارقة لافتة: المشكلة ليست في غياب منهج، بل في الغياب شبه الكامل للمنهج القرآني الأصلي عن ساحة التطبيق. والقرآن، بوصفه نصًا مؤسسًا، لم يترك هذا الباب مفتوحًا للاجتهادات المتضاربة دون ضابط، بل وضع إطارًا واضحًا لطبيعة العلاقة مع الآخر، إطارًا يقوم على مبدأين متلازمين يتمثلان في وضوح الحق من جهة، والرحمة بالإنسان من جهة أخرى. فالآية الكريمة “ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة” لا تُقدّم مجرد توجيه أخلاقي عام، بل تؤسس لمنهج معرفي كامل في التعامل مع الاختلاف. فالدعوة هنا ليست فرضًا، بل هي عرضٌ عقلاني أخلاقي، قائم على الإقناع لا الإكراه، وعلى مخاطبة البنية الإدراكية للإنسان وليس كسرها. والحكمة، في هذا السياق، ليست تلطيفًا شكليًا للخطاب، بل هي إدراك لطبيعة الإنسان بوصفه كائنًا معقّدًا، لا يتغيّر بالصدمة، بل بالفهم التدريجي. وعندما يُقرن هذا المنهج بقوله تعالى: “ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر”، فإن الأمر يتجاوز حدود العلاقة مع الذات إلى بناء علاقة فاعلة مع العالم. غير أن هذه الفاعلية، في أصلها القرآني، ليست سلطة قهرية، بل مسؤولية أخلاقية، قوامها الإصلاح لا الإقصاء.
لكن الانزياح الذي حدث تاريخيًا تمثّل في نقل هذا المنهج من مجال “الدعوة” إلى مجال “القطيعة”، ومن منطق “الإشفاق” إلى منطق “التصنيف الحاد”. فبدل أن يُنظر إلى المخالف بوصفه إنسانًا في مسار معرفي مختلف، أصبح يُختزل في موقعه من هذا الاختلاف، وكأن الانحراف عن الحق يلغي إنسانيته أو يُسقط عنه استحقاق الخطاب. وهنا تبرز واحدة من أعمق الإشارات القرآنية التي تم تجاهلها، والمتمثلة في قوله تعالى: “يا حسرةً على العِباد”. فهذه العبارة لا تصدر عن موقع استعلاء، بل عن موقع إشفاق وجودي عميق؛ فهي لا تُدين الإنسان بقدر ما ترثي حاله، وتكشف عن رؤية ترى في الضلال خسارةً إنسانية قبل أن تكون خطأً معرفيًا. إن استعادة هذا البعد الإشفاقي تمثل جوهر المنهج القرآني في التعامل مع الآخر. فالمؤمن، في هذا الإطار، لا يتعامل مع غيره بوصفه خصمًا، بل بوصفه إنسانًا حُرم من إدراك ما يراه هو حقًا. وهذا التحول في زاوية النظر يعيد تشكيل العلاقة بالكامل: من صراع إلى دعوة، ومن إدانة إلى محاولة إنقاذ.
وإذا ما قرأنا هذا المنهج ضمن السياق الميتابايولوجي، يمكن القول إن القرآن يتعامل مع “الاختلاف” بوصفه تعبيرًا عن اختلال إدراكي ناتج عن “فائض التمثّل”، لا بوصفه انحرافًا أخلاقيًا صرفًا. ومن ثم، فإن الدعوة بالحكمة ليست مجرد خيار أخلاقي، بل استجابة معرفية لطبيعة هذا الاختلال. إنها محاولة لإعادة ضبط العلاقة بين الإدراك والواقع، وليس فرض واقع آخر بالقوة.
ومن هنا، فإن الدعوة اليوم هي ليست اختراع نموذج جديد للتعامل مع الآخر، بل إلى تفكيك الطبقات التي تراكمت، حتى بتنا ننشغل بها عن تدبر النص المقدس، وأعاقت بالتالي قدرتنا على العمل بمقتضى ما جاءنا به. فكل خطاب يقوم على القطيعة أو العداء المطلق، إنما يعكس انزياحًا عن هذا الأصل، حتى وإن تزيّن بشعارات دينية.
إن المنهج القرآني، في صورته النقية، لا يُنتج مجتمعات منغلقة، بل عقولًا قادرة على التفاعل دون الذوبان، وعلى الثبات دون قسوة. إنه منهج يرى في الإنسان قيمةً سابقة على موقفه، وفي الهداية أفقًا مفتوحًا لا حكمًا نهائياً. ولعل التحدي الحقيقي لا يكمن في إقناع الآخر، بل في استعادة هذا المنهج داخل الوعي الإسلامي نفسه؛ لأن من فقد القدرة على الإشفاق، فقد أحد أهم شروط الدعوة الى سبيل الله.
