بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

يظن الكثير منا ألا إمكان على الإطلاق لتلاقٍ يجتمع فيه الشرق والغرب ولو كان هذا التلاقي على أصغر قدر ممكن تصوره. ونكون بذلك قد اتفقنا، من حيث ندري أو لا ندري، مع شاعر الاستعمار اللورد كيبلنغ الذي كان يفاخر بما ظن أنه الحق الذي تجلى له دون غيره من البشر عندما أطلقها مدويةً “الشرقُ شرقٌ والغربُ غربٌ ولن يلتقيا”. فهل هو قدر لا فكاك منه أن يبقى كل فرحاً بما عنده مباهٍ به غير راغبٍ في الأخذ عن غيره ما دام الحق معه على الدوام بظنه وتوهمه؟! إذا ما نحن نظرنا إلى ما بين أيدينا نحن بنو الشرق، وإلى ما بين أيدي الأغيار من أهل الغرب، فماذا نحن واجدون إذا ما نحن قلّبنا كلاً بعين تدبّر ترى الحق حقاً والباطل باطلاً؟ سنجد عندها أن ليس كل ما جاء به تراثنا ينبغي أن نبقي عليه نعمل به وعلى هدي منه، وأن ليس كل ما يأتينا من الغرب هو الضلال المبين الذي يجب أن نعرض عنه فلا نلتفتَ إليه حتى تُكتب لنا النجاة. ففي تراثنا من الغث ما فيه، وفي المعاصرة الغربية من السمين ما فيها. والحصيف الفطين هو من انكب على الخير يستحصله أنى تجلى له، أليست الحكمة ضالة المؤمن يأخذها ولو من أفواه المجانين؟ ألم يرد في المأثور أن عليك أن تطلب العلم ولو في الصين؟ فما بالنا نصر على أن ننشز ونشذ بحجة أن ليس ما في الغرب ما يستحق أن نفيد منه؟ وما لنا نبقي على الوهم يعشش في عقولنا أننا حُزنا الحق حتى استأثرنا به دون غيرنا من بني جلدتنا من بني آدم؟ الحقيقة، إذا ما نحن حقاً كنا طلابها، تقضي بخلاف ذلك وتدعو إلى أن نعمل بالحق حتى وإن جاءنا به من هو عدونا، وأن نعرض عن الباطل وإن كان حامله إلينا واحد من أهلينا، أليس كذلك؟ فإذا كان الأمر كذلك، فليس لنا إلا أن نعمل جاهدين على استخلاص كل ما في تراثنا من صحيح، من بعد غربلة هذا التراث حتى نطّرح كل غث فيه، وأن نبادر إلى تفحُّص كل ما عند الغرب لنستحصل ما يمكن أن نقع عليه فيه من صحيح لا مراء فيه. إذاً فهو تكامل الصحيحين… صحيح ما عندنا من تراث، وصحيح ما عند الغرب من معاصرة. وليس هناك من سبيل آخر ليجتمع الشرق والغرب على هذا الصحيح فيهما ولنسكت، وإلى الأبد، تلك الأصوات النشاز التي لا تريد إلا أن تنصت إلى همزات النفس والهوى.
