إنسانٌ جديد لعالمٍ جديد

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم

اللهم صل على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما

 

new civilization

هل نستطيع القول إن ما بين أيدينا من حضارة، ممثَّلةً بوجهها الغربي عموماً والأمريكي خصوصاً، أو أية حضارة مستقبلية متطوِّرةً عنها وناشئةً مترقِّيةً من داخل منظومتها المعرفية والايديولوجية، هي الحضارة الكاملة الفاضلة التي لا ينبغي التفكير بوجود حضارة أخرى منافسة بديلة بوسعها أن تنشأ وتتطور وتترقى خارج منظومتها؟ واذا كان الأمر ليس كذلك، وذلك بسببٍ من الركود المعرفي، متجلياً في عدم تمكُّن مباحث العلم النظري المعاصر من الافلات من تكرار واجترار ذات المقولات النظرية بصياغاتٍ إن هي تناشزت شكلاً فقد تماهت مضموناً، والانحطاط الإيديولوجي، كما يُجلِّيه واضحاً للعيان إيثارُ هذه الحضارة الدفع بالتي هي أسوأ من عدوانٍ وحربٍ وحصارٍ وتجويع وإرهاب دولة، فكيف السبيل بالتالي الى حضارة جديدة تتجاوز ما تتميز به الحضارة القائمة، أو أي حضارة قادمة أخرى ناشئة عنها ومن داخل نظامها، من نقائص ونواقض تجلَّت واضحةً لعيان العامَّة قبل الخاصَّة؟ واذا كانت الحضارة القائمة، الغربية الأمريكية لامحالة، هي نتاج سلسلة متصلة الحلقات من ثوراتٍ تضرب بجذورها عميقاً في الزمان امتداداً الى زمن أول ثورة قام بها الانسان على بيئته قبل آلاف السنين، فهل نجاوز الصواب اذا ما قلنا إن السبيل الى حضارة جديدة بديلة، غير غربية وغير أمريكية بالضرورة، يكون بقيام انسان الحضارة القائمة بالثورة على نفسه؟ وهل يمكن لهذه الثورة إلا أن تكون ثورةً روحية لامحالة، وبكل ما تعنيه هذه الكلمة من اضطرار للنفس على ما تكره وحملها على التخلي عن كثير جداً من صفاتها الدنيئة وقسرها على التحلي بكثيرٍ آخر من الصفات القمينة بإنجاح السعي للارتقاء الى مصافٍ تتعالى على ما يشهد له واقعُ هذا الانسان من تناشز جلي بين حضارته المادية المتفوقة وفقره الروحي المدقع؟ أسئلة كثيرة بإمكاننا أن نسترسل فنُلحقها بهذه التي تقدمت آنفاً، والاجابات عليها تتكفل بإيجادها رحلةٌ في الزمان الى الماضي البعيد تتبعاً لنشوء وتطور وارتقاء الجنس البشري ومروراً عاجلاً ببعض من أهم الثورات التي أثمرت تجلياتٍ حضاريةً ما كان للحضارة الغربية-الأمريكية المعاصرة أن تكون خاتمتها ووريثتها لولا اتصالها بعضاً ببعض. إن هكذا تتبُّع كفيل بجعلنا نتيقن من أن العلاقة جدلية، بالضرورة، بين الثورة والحضارة. وهذا صحيح على الدوام، سواء كان الزمان ليس ببعيد عن العصر الحجري أو كان زماناً مستقبلياً لم نشهد حلوله بعد. إن هذه العلاقة الجدلية بين الثورة على الواقع والحضارة قادرة على تقديم كل ما من شأنه أن يبرهن على أن الحضارة التي بين أيدينا في الغرب الأوروبي-الأمريكي لا يمكن أن تكون حضارة آخر الزمان (حضارة نهاية التاريخ) مادامت هكذا حضارة هي، بحكم التعريف، حضارة تمام مكارم الأخلاق قبل أن تكون حضارة سلاح. فهل تقدَّم انسان الحضارة المعاصرة حقاً مبتعداً عن أسلافه من سكان الكهوف؟ واذا كان التقدم مقياسه ما تسنى للانسان الحصول عليه من تقنيات وأدوات، فهل بوسعنا أن نقتصر على هذه وتلك ليُصار الى الحكم على حضارتنا المعاصرة بأنها أكثر رقياً حضارياً من “حضارة أهل الكهوف”؟ فإنسان الحضارة المعاصرة، إلا ما رحم ربي، عاشقٌ لِذاته مؤلِّهٌ لهواه عابدٌ لأناه عاجزٌ عن الالتفات بعيداً عن دائرة الوجود التي توهَّم أنه مركزها فجعل كل مفردات هذا الوجود تدور وتحلِّق في فلكه. وهو، لهذا السبب، يحتاج الشرقَ مدداً روحياً كفيلاً بجعله يعود عن هذا الغي ليشرع، من ثم، بالالتفات الى الواقع كما هو ويبحث عن الحقيقة حيث هي. اذاً هي ثورةٌ روحية قادمة من الشرق مجالها ومضمارها حضارة الغرب القائمة بين أيدينا وثمرتها، هذه المرة، حضارة بديلة جديدة تستبقي خير ما في هذه الحضارة وتطَّرح شر ما فيها، بالضرورة، وتتضمن، بكل تأكيد، ما بوسع الروح أن تطلقه من إبداعات. وهذا التلاقح الحضاري بين خير ما في الشرق وخير ما في الغرب لهو النتيجة الأهم لهكذا ثورة روحية على الغرب المادي. ولا تحتاج الثورة الروحية على حضارتنا الحالية ما تحتاج إليه أية ثورة من الثورات التقليدية في حربها على “النظام” الذي تبغي ان تُحِلَّ “نظامها” محلّه! فالقرآن العظيم ثورةٌ على الانسان قبل ان يكون ثورة على أيٍّ من “أنظمته” السياسية والاجتماعية، فهي ثورة قرآنية إذاً. وليس من القرآن في شيء أن يُبادر مَن يحمله بكفِّ اليد، لا بكفِّ القلب، الى الثورة على الواقع فرضاً لأيديولوجية لم تأخذ من القرآن العظيم الا ما توهّمته بغير حق أنه يدعوها لذلك! فالقرآن العظيم لا يدعو لفرض الدين بقوة اليد بل بقوة ما تضمّنه نصُّه الالهي من علم وحكمة بمقدور الداعي الى الله ان يفيد منهما في صياغة خطاب دَعَوي كلّه حكمةٌ وموعظةٌ حسَنة ليس لهما إلا ان يكونا له عونٌ في جداله للناس بالتي هي أحسن.

أضف تعليق