بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
سئلتُ يوماً “ما الإحسان؟”، فأجبت “الإحسان هو الإيمان بالغيب”. وأتبعتُ إجابتي فاستفضتُ في الحديث عن هذا “الإيمان بالغيب”، ماهو؟
ابتدأت بذكر أوائل سورة البقرة (الم(1)ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ(2)الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ(3)وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ(4)أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)، ثم أتبعتُ بتفسير “الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ”، فكان أن جاء تفسيري مخالفاً للتفسير التقليدي الذي يذهب إلى أن المقصود بـ “الإيمان بالغيب” هو أن تؤمن بكل ما هو مغيَّب من قبيل الملائكة واليوم الآخر والجنة والنار والجن. حيث بيَّنتُ الأمر، وعلى نحوٍ يكون فيه معنى أن تؤمن بالغيب هو أن تؤمن بالله تعالى بالغيب، أي أن يكون إيمانك منطلقاً من إقرارك بأنك إذ آمنتَ بالله تعالى، فإنك تعي أنك تؤمن بمن لا تراه لاستحالة تحقق ذلك، وأنك مع عجزك عن رؤية هذا الذي أنت مؤمن به، فإنه لا يضيرك أن يكون هذا هو حال إيمانك، وأنك لا تطلب الدليل ولا البرهان على مَن يتوجب عليك أن تؤمن به حتى تؤمن، بل أنت تؤمن به وإن لم يكن هناك من دليل ولا برهان.
إذاً فالايمان بالغيب هو الإيمان بالله بالغيب، أي الإيمان بالله إيماناً تخاطر فيه وتغامر، وهذا ما لم نُجبل عليه؛ إذ أن جِبلتنا توجب علينا أن نكون، وبسببٍ مما أُحضرَت أنفسنا شحاً وبخلاً، غير ميالين إلى اتخاذ موقفٍ يطالبنا بالبذل والتضحية ما لم نكن متيقنين واثقين بأن هناك مردوداً ينتظرنا.
إذاً التفسير الذي قلتُ به مجيباً على سؤال “ما الإحسان؟”، إذ يخالف التفسير التقليدي للإيمان بالغيب، فإنه يقدِّم تعريفاً جديداً للإحسان يكون بموجبه هو هذا الإيمان بالغيب. والرابط هنا هو أنك إذ تُحسن إلى من أساء لك، فإنك بذلك تقدم البرهان والدليل على إيمانك بما وعدك ربك غيباً آتياً يوم القيامة إن لم يجزيك عليه لاحقاً في دنياك. وبذلك يكون الإحسان بهذا التعريف، هو ما ينبغي عليه أن يكون حال المؤمن، إذ هو يؤمن بالله واليوم الآخر غيباً. ولك أن تتذكر الآية الكريمة 134 من سورة آل عمران (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).
إن الإحسان بهذا التعريف يخالف ما جُبلت عليه أنفسنا من إيثارٍ للرد على الإساءة بإساءةٍ، أو بأسوأ منها، على العفو ومقابلة الإساءة بالإحسان. والتصوف، إذ هو عبادة الله تعالى بإتقان، فإنه يدعوك لأن يكون هذا الإحسان هو برهانك على صدق إيمانك بالله تعالى بالغيب. فلا تصوف لمن عامل الناس إذ يسيؤون إليه بالإساءة، ولكن المتصوف هو من يواظب على أن يكون رد فعله على كل إساءةٍ هو الإحسان، وذلك بأن يعفو ويسامح ويحسن بفعلٍ جميل إلى من أساء له.
وأخيراً، فإني لأعجب لمن يُباهي بأنه صوفي، وهو لا ينسى إساءة من أساء إليه، ولا يغفر لمن أساء له، فيبادر من فوره إلى أن يكون ردُّه إساءةً على الإساءة، هذا إن لم يكن ردُّه بأسوأ منها.

أتمنى لك يوم جميل وحياة سعيدة
إعجابLiked by 1 person
شكرا لكم. أتمنى لكم الشيء ذاته
إعجابإعجاب