بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
كنتُ قد وعدتُ في منشورٍ سابق أن أعودَ بحلٍّ للتناقض الظاهري الذي بوسعك أن تتبيَّنه في الآيات القرآنية الكريمة التي يُفهم منها أن الله تعالى، وفي الوقت الذي يكون فيه قريباً إلى درجةِ أنه أقرب إلينا من حبل الوريد فينا، فإنه بعيدٌ عنا بُعداً يتطلَّبُ من الملائكةِ والروح أن يعرجوا إليه في يومٍ كان مقدارُهُ خمسين ألف سنة. يتحدث القرآن العظيم عن هذا القُرب الإلهي منا فيذكر أنه قربٌ يكون الله تعالى فيه معنا أينما كنا (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)، ويكون بموجبه قريباً وإلى الدرجةِ التي يسمعنا إذا ما نحنُ ناديناه (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ). فكيف يكون بمقدورنا أن نفقَه هذا القرب الإلهي، وهو البعيدُ عنا بُعداً تذكِّرنا به الآية الكريمة (تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ)؟
إن الناظر إلى البدر يتوهم أنه يرى جسماً ذا نورٍ أصيلٍ ينبعثُ منه ولا يعلم أن هذا النور هو ليس إلا انعكاسٌ لنور الشمس عن سطحه. والشمسُ ذاتها لها أن تُنير الغرفةَ التي أنتَ جالسٌ فيها إنارةً تختلفُ عن تلك التي تراها بها وأنتَ خارج غرفتك. هذان المثلان ضروريان للتقديم لما أنوي الحديث عنه من تجليات الحقيقة الإلهية التي هي حقيقتُه تعالى؛ فهذه الحقيقة بوسعها أن تبدِّد أيَّ وهمٍ يداخل عقولنا وهي تحاول أن توفِّق بين الآيات الكريمة التي يبدو أنها تتناقض فيما بينها إذ تتحدثُ حيناً عن الله القريب منا القرب كله، وأخرى تتحدث عن الله البعيد عنا البُعد كله.
إن أيَّ حديثٍ عن الحقيقة الإلهية يستدعي أن نعودَ بالزمان إلى ما قبل خلْق الله تعالى للوجود، حيث لم يكن حينها هناك إلا الله تعالى. وبعد أن خلق الله تعالى الوجود، فإن وجوده تعالى تحتَّم عليه أن يُشارَ إليه أخذاً بالاعتبار ما جدَّ من جديدٍ بخلق الله تعالى لهذا الوجود. فهذا الوجودُ خلقَه الله تعالى ليس من العدم، كما يتوهَّم الملالي، ولكنه خلقَه من ذاته الجليلة الشريفة، وأصبح هذا الوجود المخلوق شيئاً آخر غير ما كان عليه عندما كان اللهُ تعالى ليس معه شيء. واللهُ تعالى لن يدعَ الوجودَ دون أن يكون له وجودٌ فيه. وهنا عليك أن تتصوَّر الله تعالى موجوداً دون أن يكون للوجود وجودٌ فيه، وأن تتصوَّر أيضاً الوجود واللهُ تعالى موجودٌ فيه. وهنا لابد من أن تُقِرَّ أن الأمر قد أصبح عسيراً على الفهم؛ إذ يبدو أن لا سبيلَ لفقه هذا الذي يكون بموجبه لله تعالى وجودٌ داخل الوجود وخارجه. وهنا أيضاً لنا أن نلجأ إلى اللغة العربية لتُعيننا، فيكون بمقدورنا أن نفقه الأمر، وذلك بأن نتذكر أنها تُشيرُ إلى الشيئين الموجودَين سويةً، فتقول إن واحدهما يتواجد مع الآخر، وهي تُشير إلى الشيء الذي لا يتواجد معه شيءٌ آخر بأنه موجودٌ وحده. إذاً، فاللهُ تعالى موجودٌ خارج الوجود إذ لا تواجدَ لموجودٍ معه، وهو متواجدٌ داخل الوجود الموجود معه فيه. وبذلك، يكون الله تعالى المتواجد في هذا الوجود قريبٌ منا، بل هو أقربُ إلينا منا. ويكونُ اللهُ تعالى خارجَ الوجود موجوداً بعيداً عنا إذ يفصلُ بيننا وبينه هذا الوجود.
إن في هذا الذي تبيَّن لنا، والذي بموجبه يكونُ الله تعالى متواجداً مع موجودات الوجود موجودٌ خارجه، دليلٌ بوسعك أن تبرهن مستنداً إليه على أن هذا القرآن لابد أن يكونَ من عند الله مادام قد وصفَ الله تعالى بهذا القُرب وبذاك البُعد. وهذا ما لا يمكن إلا لكتابٍ هو من عند الله تعالى حقاً أن يصفَ به قرب الله تعالى وبعده، وبالمعنى الذي تجلى لنا أعلاه.
