من مال الله

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

سنابلعندما كنتُ صغيراً أواخر ستينيات القرن الماضي، كان هناك فقير متسول يجوب شارع بيتنا بين الحين والآخر وهو يتوسَّل الناس بنداء حزين علق في بالي من كلماته حينها “من مال الله، الكريم حبيب الله”. ظلت هذه الكلمات تواظب على الظهور في ذاكرتي بين الحين والآخر إلى أن شرعتُ في قراءة القرآن الكريم فوجدتُ نصاً قرآنياً كريماً ذكَّرني بها في الآية الكريمة 33 من سورة النور (وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ). لقد كان الفقير المتسوِّل مُحقاً في تذكير الناس بأن المال الذي بحوزتهم هو مال الله الذي يؤتيه من يشاء، وهو بذلك لا ينبغي أن يكون حكراً على من أوتيه لأن الله تعالى قد جعل للفقراء في هذا المال حصةً يجب أن تُخرج ليؤتوها. إن المتدبِّر في واقع حال هذه الأمة المبتلاة بالغالبية العظمى من أفرادها لا يمكنه أن يخطئ تشخيص الفقر المدقع الذي يعصف بالكثيرين من أفرادها. وهذا الفقر هو البرهان الذي بوسعي أن أسوقه للتدليل على أن هذه الأمة ليس لها أن تفاخر بأنها خير أمة أخرجت للناس لمجرد أنها قد قالت “لا إلهَ إلا الله” بلسانٍ مرِس النفاق حتى ما عادَ يتبيَّنه. وإلا فكيف تكون هذه الأمة هي ما تزعم والفقر يضرب فيها ضرباً ليس لك أن لا تشخصه فيها؟! إن علامة صحة الأمة هي افتقارها إلى الفقر والفقراء. فإن وجد فيها الفقر، وإن كان هناك فيها فقراء، فليست هذه إلا أمةً سقيمةً عليلة. لقد نسينا، أفراداً وأمة، أن حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم قد قال “إن الله قد فرض على الأغنياء ما يكفي الفقراء”. إذاً فمادمنا كأمة لم نمتثل لهذا التوجيه المحمدي، فليس لنا أن نفاخر بانتسابنا إلى هذا الرسول الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم. إن أمةً كهذه الأمة تنظر إلى الفقراء بعين اللامبالاة لتذكِّر بما جاء في سورة يس صلى الله تعالى عليه وسلم إذ استهجن الله تعالى حجة البخلاء إذ يسوِّغون لعدم إنفاقهم على الفقراء بالحجة الداحضة التي بيّنتها الآية الكريمة 47 (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ). فيا للعار الذي جعل هذه الأمة التي تزعم أنها أمة “لا إله إلا الله” يكون واقع حالها لا يختلف في شيء عن واقع حال الذين كفروا! إن الطريق إلى خير أمة أخرجت للناس ليس باليسير ولا بالعسير، ولكنه الطريق الذي ينبغي أن نخطو خطوتنا الأولى عليه وذلك بأن ندرك بأننا منافقون يتوجب علينا تطهير قلوبنا من هذه العلة المتأصلة فيها، وذلك قبل أن نأمل بأن يتقبَّل الله تعالى منا أي قولٍ أو أي عمل. ولن يتحقق هذا إلا من بعد أن نوقن بأن لا تطهير بمقدوره أن يغسل القلب من أدرانه وأضغانه خيرٌ من ما تذكِّرنا به خواتيم سورة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم (إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ(36)إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ(37)هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38)).

أضف تعليق