بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
السكينة كلمة قرآنية كريمة وردت ست مرات في قرآن الله العظيم. لنتدبر أربعاً منها:

(وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (248 البقرة)، (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) (4 الفتح)، (ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِين) (26 التوبة)، (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (40 التوبة).
يتبيَّن لنا بتدبُّر هذه الآيات الكريمة الأربع أن للملائكة علاقةً بهذه السكينة الربانية. فحضور الملائكة الكرام عليهم السلام يكون مصاحَباً بتنزُّل هذه السكينة الإلهية. وهكذا، فإن عزَّ علينا أن ننظر حوالينا فنرى الملائكة الكرام فإن حضورهم عليهم السلام لن يكون بخافٍ مادام هذا الحضور يتجلى علينا سكينةً إن كنا نحن من الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فأيَّدهم الله تعالى بأن جعل الملائكة الكرام عليهم السلام أولياءهم (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُون. نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ. نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ) (30-32 فصلت). وهذه السكينة الإلهية ظاهرةٌ خارقةٌ للعادة بكل ما تعنيه الكلمة، مادام تحققُها ليس ممكناً إلا بحضور الملائكة الكرام عليهم السلام الذين هم مخلوقات خارقةٌ للعادة لا يوافق العلم النظري على وجودها مادام هذا الوجود يخرق بنيانه النظري الذي تشكَّل من لبِنات هذا الواقع الذي اجتزأ منه هذا العلم ما ظنَّ أنه كافٍ ليصيغ منه هذا البنيان. وهذه السكينةُ بعدُ دليلٌ على أن الملائكة الكرام عليهم السلام موجودون حقاً طالما ليس هنالك من سببٍ فيزيائي نستطيع أن نتوسَّله للتعليل لها. فإن نحن أردنا أن نبرهن على أن للملائكة الكرام وجوداً، فليس هناك أمامنا من سبيل سوى بالتمسُّك بما لحضورهم عليهم السلام من تأثيراتٍ في مادة واقعنا الملموس المحسوس تتجلى بهذه السكينة التي هي ظاهرةٌ خارقةٌ للعادة بكل ما تعنيه الكلمة.
ولقد وردت كلمة السكينة مرتين أخريين في سورة الفتح، دون أن يكون ورودهما مصحوباً بذكر الملائكة الكرام عليهم السلام: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) (18 الفتح)، (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) (26 الفتح)، إلا أن هذا لا يعني بتاتاً أن هذه السكينة قد تجلت دون أن يتسبب بها حضور الملائكة الكرام عليهم السلام. فمادام تجلِّي السكينة الإلهية قد ثبت أنه متحققٌ بحضور الملائكة الكرام عليهم السلام، بدلالة الآيات الكريمة الأربع أعلاه، فإن هاتين الآيتين الكريمتين يتوجب علينا أن نقرأهما، فتكون لكلمة السكينة التي وردت فيهما تداعيات ذات صلةٍ بالحضور الملائكي.
