بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
لا يمكن لمجادل أن يدافع عن هذه الحضارة المعاصرة فيقول إنها حضارةٌ أُسِّس بنيانها على تقوى من الله ورضوان! فهذه حضارةٌ تجاهر بأنها لا تجد ما يبرر وجوب القول بأن اللهَ تعالى موجود، مادام ما عندها من العلم يكفي من وجهة نظرها للتعليل لكل ما تسنى لها دراسته من ظواهر هذا الوجود. ولقد ذكر القرآن العظيم أن كلَّ بنيان لا يؤسَّس على تقوى من الله ورضوان لابد وأن ينهار في نار جهنم مادام هذا البنيان قد أُسّس على شفا جرف هار (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (109 التوبة). وبذلك فإن هذه الآية الكريمة تؤصِّل لما سبق وأن تنبَّأ به كثيرٌ من فلاسفة الغرب وحكمائه، الذين لم ينخدعوا ببهرج الحضارة المعاصرة، فكان أن رأوا فيها ما سيتسبب في انهيارها وزوالها. وإذا كان انهيار الحضارة الغربية عند هؤلاء الفلاسفة والمفكِّرين مُسبَّباً بجملةٍ من الأسباب ذات الصلة بهذا أو ذاك مما هو دنيوي، فإن القرآن العظيم قد علَّل لوجوب هذا الانهيار بلا أكثر من أنها حضارةٌ أسَّست بنيانها على غير تقوى من الله ورضوان. فلن يُكتب البقاء لحضارةٍ ما، كائنة ما كانت، إلا إذا ما كان أساسُها إيمانٌ بالله وتقوى له تعالى، وبما يجعل من هذه الحضارة تحوز على الرضوان الإلهي الذي يكفل لها أن تكون بمنأى عن أن ينال منها كلُّ ما حشده من أسباب الانهيار والزوال ذاك النفر من المفكرين والفلاسفة الذين انكبوا على دراسة الحضارات صعوداً وزوالاً.
