مدوِّنون من عالَم الغيب

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم

اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

أمرنا اللهُ تعالى في قرآنه العظيم بأن نؤمن بالملائكة: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُون) (177 البقرة)، (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير) (285 البقرة).
وكلُّنا يظن أنه مؤمن بالملائكة كما أمر الله تعالى، فما مدى صحة ذلك؟ بدايةً لنحاول أن نتبيَّن العلةَ من وراء هذا الأمر الإلهي بوجوب الإيمان بالملائكة. لنتدبر الآيات الكريمة التالية: (فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَة. مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ. بِأَيْدِي سَفَرَةٍ. كِرَامٍ بَرَرَةٍ) (13-16 عبس)، (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِين. كِرَامًا كَاتِبِين. يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) (10-12 الانفطار)، (إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُون) (من 21 يونس)، (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) (80 الزخرف)، (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيد. مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (17-18 ق).
يتبيَّن لنا بتدبُّر هذه الآيات الكريمة أن واحداً من أسباب وجوب إيماننا بالملائكة يعود لما بمقدور هذا الإيمان أن يعود به علينا من ترسيخٍ لمفهوم الغيب فينا. وهذا الترسيخ لمفهوم الغيب ضروري حتى يكون بمقدورنا أن نتناوش بالتأديب والتهذيب والتشذيب النفس التي ابتُلينا بها، مادامت هذه النفس تستعين بهذا الذي جُبلنا عليه من إيثارٍ للعاجل على الآجل، وللشهادة على الغيب، حتى تُبقي علينا عبيداً لها وأسرى. ولكن واقع الحال بمقدوره أن يُرينا أننا نكذب إذ نزعم أننا نؤمن بالملائكة ونحن نقضي أيامنا وليالينا غير عابئين ولا آبهين بما نقول ونفعل من خوضٍ في سفاسف الأمور وترهاتها وانشغالٍ حتى النخاع بهذه الدنيا. فلو أننا كنا حقاً نؤمن بأن علينا ملائكةً كاتبين يُحصون أقوالنا وأفعالنا ويستنسخون ما نقول ونفعل، لما كنا على هذا الذي نحن عليه من خوضٍ وانشغال!
إن الإيمان الحق هو ما يجعلك تُحجم عن إطلاق الكلام جزافاً مادمت تعلم أن هناك من يتربَّص بك ليدوِّن كلَّ كلمةٍ تنطق بها. والإيمان الحق هو ما يقيّدك فلا تشرع بعملٍ إلا إذا ما كنتَ واثقاً كل الثقة أنه لن يعود عليك بما يُسيؤك مادمتَ قد أيقنتَ أن أعمالك تُدوَّن لحظةً بلحظة على يد مَن لا يغفل عنك لحظة. وهذا كله يرسِّخ مفهوم الغيب داخلاً منك فيعودُ ذلك عليك بخيرٍ لا قدرةَ لك على تصوُّره. فمادامت النفسُ كياناً غير واقعي، فلا قدرةَ لما هو واقعي على أن يتصدى لها بالترويض والتطويع. وإيمانُك بأن أقوالَك وأفعالَك محسوبةٌ عليك، مدونةٌ على يد ملائكة الغيب، يُسهم في تصدِّيك لنفسك بسلاحٍ غيبي لا قدرةَ لها على مجابهته. وهكذا يتجلى عليك إيمانُك بالملائكة الكاتبين تمكُّناً من نفسك فيعودُ هذا عليك بتمكينك من الإفلات من تسلُّطها عليك فتغدو قادراً شيئاً فشيئاً على أن تتحرر منها.
إن النفسَ غيبٌ مُغيَّبٌ داخلاً منا، ومادامت هي كذلك فلن يكون لغير الإيمان بأن الغيبَ حاضرٌ حوالينا، بهذا التواجد الملائكي تدويناً لأقوالنا واستنساخاً لأعمالنا، أن يعيننا عليها فيُمكِّننا منها. ومادمنا غيرَ عابئين بما نقول ونفعل، فنطلق الكلام كيفما اتفق ونفعل كلَّ ما يحلو لنا، فلن يكون بمقدورنا أن نُرسِّخ مفهومَ الغيب فينا، ولن يعود هذا علينا إلا بترسيخِ سيطرةِ نفوسنا علينا. فإذا ما أردنا حقاً أن نتحرر من نفوسنا لنغدو من عباد الله الصالحين، فليس أمامنا من سبيل غير أن نشرع من فورنا بتدقيق كل ما يصدر عنا من قول وعمل، موقنين أن هناك مَن أمره الله تعالى بتدوين أقوالنا وأعمالنا. وإلا فهي العبودية لنفوسنا، والتي لن تعود علينا إلا وبالاً دنيا وآخرة.

أضف تعليق